|
|||||||
| التسجيل | الصفحة الرئيسية | مكتبات الموقع | القرآن الكريم | تلفزيونات عالمية | نوافذ إعلامية | اجعل جميع المنتديات مقروءة |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | طرق مشاهدة الموضوع |
|
#1
|
||||
|
||||
|
تفسير آيات سورة ( الأعلى ) .
﴿ بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا . وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى . إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الأُولَى . صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى ﴾ . وكالعادة حملوا معنى الخطاب هنا على كفار قريش ، وكأن دنياهم كانت تستحق هذا التنويه وتوجيه الخطاب ، وقد كذبوا ورب الكعبة ، فهم ودنياهم كانوا أحقر من أن ينص على ذكرهم بذلك الله تعالى في كتب أنبياءه ورسله ، خصوصا صحف الذكر صحف إبراهيم وموسى . قال تعالى عن موسى مخبرا في " سورة إبراهيم " : " ﴿ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ . وَقَالَ مُوسَى إِن تَكْفُرُواْ أَنتُمْ وَمَن فِي الأَرْضِ جَمِيعاً فَإِنَّ اللّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ ﴾ فأي دنيا كانت لقريش ليشركهم فيها العالم كله واليهود ؟! والحق أن المراد بذلك دنيا الكفار والمنافقين اليوم ، دنياهم التي فتح الله لهم فيها من كل شيء ، من خير المراكب ، والمأكل والمشرب ، والملبس ، والمسكن ، ومن كل خير فتح لهم فيه النصيب الأوفر استدراجا ونقمة فيما هو يظهر لهم أن بذلك النعمة ! ، وبلغ بهم الله تعالى نهايات ذلك ، ليأخذهم بعد ذلك أخذة عزيز مقتدر . ولأجل ذلك كان لهم هذا الوعيد على لسان موسى عليه الصلاة والسلام : ﴿ إِن تَكْفُرُواْ أَنتُمْ وَمَن فِي الأَرْضِ جَمِيعاً ﴾ . وهم كذلك اليوم يفعلون . وهنا يتكشف سر الخطاب في سورة " الأعلى " وهنا يعرف معنى الإنكار بإيثار الدنيا حين تكون قد بلغت النهاية في انفتاحها وزينتها على الخلق ، بزهرتها وبهرجها الغير مسبوق . في أيام يُكثر الناس منها ويتقاتلون عليها ، فيكثر بسبب ذلك هرجهم ويطغوا فيكثر بعد ذلك فحشهم وكفرانهم للنعم ، زادوا بذلك على كفرهم بملته وما أنزل على رسله من قبل وأنبيائه ، ويكون حين ذاك كل خيرها لأشر الناس وأبغضهم له ، وحين يقع ذلك ويبلغ نهايته يكون تيسير الله تعالى لتحقيق الذكر ، ولهذا قال تبارك وتعالى : ﴿ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ . فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ . ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ ﴾ . ﴿ وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى . فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى . سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَى . وَيَتَجَنَّبُهَا الأَشْقَى ﴾ . وهو في سورة الدخان نفى عنهم هذا التذكر مع إثبات تحققه من عباده المؤمنين في أكثر من موضع بكتابه العزيز ، فقال عز وجل : ﴿ أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءهُمْ رَسُولٌ مُّبِينٌ . ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَّجْنُونٌ ﴾ . ﴿ وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ . فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً . إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً ﴾ .يفسر هذا ويزيد في بيانه قوله تعالى : ﴿ إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى . فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى . وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى . فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى . وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَى . وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى . فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى . وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى . إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى . وَإِنَّ لَنَا لَلآخِرَةَ وَالأُولَى ﴾ .ومن هذا نعرف ونفهم بأن الوعد بالتيسير ليس هو لكل أحد بل هو مشروط لمن يصدق بالحسنى ويؤمن بحقها ، ومن سيكذب بها ولا يؤمن بحقها من الوعد والوعيد لن ييسر الله تعالى له أمره بل سيجعل ذلك عليه عسيرا ، ومن وراء ذلك العذاب الشديد بالدنيا والآخرة ، ولهذا بين تعالى بأن له الأولى والآخرة ، وأن إليه يرجع الأمر كله : ﴿ وَجَاءكَ فِي هَـذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ . وَقُل لِّلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ اعْمَلُواْ عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ . وَانتَظِرُوا إِنَّا مُنتَظِرُونَ . وَلِلّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾ . ﴿ قُلْ إِنَّ اللّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ . الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ . الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ ﴾ .ووصف من صدق بالحسنى بالمعطين المتصدقين ، والمكذبين بالبخل والإستغناء والتولي عن أمره عز وجل وهو الحاصل من الكثيرين اليوم ، ممن غرتهم الدنيا وانفتحت عليهم أبوابها وهم يحسبونها خيرا لهم وبها قطعهم لتكون عليهم حسرة ندامة وتعاسة ، وسيأتي تقرير الذكر في أمر هذه الدنيا وأهلها تحت هذا العنوان الفرعي (الدنيا المؤثرة ، وأخبار أهلها الكفرة) . وكل الجمهور الغبي ما كان يحمل " الذكر " هنا الذي تطمئن له القلوب وتخبت إليه إلا على ترديد الأدعية بالألسن ، وان من كان أكثر في ذلك كان قلبه أطمن وأخبت ، وهذا من الكذب وتحريف المعنى على ذكر كتب الله تعالى ، بل هي الذكرى حين تتحقق ويتم من القلب الإيمان بتصريف آيات المولى عز وجل لها بوقتها ، فهناك من آمن بذلك وصدق وأخبت قلبه لذلك وأيقن ، فتلك القلوب ستجد ما تسعد به وستكون أوجد لبرد اليقين ، ولهذا لا نجد أتباع هذه الدعوة دعوة الحق المباركة المنصورة إلا مطمئنة دوما وسعيدة جدا حتى أن ألسنتهم لا يسعها وصف ما تجد قلوبهم من فرح وسعادة واطمئنان ، وهذا هو المعنى لا ما عليه جهلة الجمهور . قال عز وجل : ﴿ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ . وَلا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِّنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ .الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِّلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ . وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ ﴾ . ﴿ وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ قُلْ إِنَّ اللّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ . الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ . الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ ﴾ . ﴿ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ ﴾حسن المآب والطوبى مما يكون في الآخرة والدنيا كذلك ، يدل عليه قوله تعالى لنبيه داوود عليه الصلاة والسلام : ﴿ فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ . يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ ﴾. " سورة ص 25ـ 26 " ولما كان هذا الوعد للمتقين بحسن المآب والطوبى مما يكون آخر الزمان ، والخلافة سيؤتيها الله عز وجل لرجل من ذرية المصطفى صلى الله عليه وسلم كما أوتيها داوود وابنه من قبل سليمان ، فداوود نفسه عليه الصلاة والسلام أنزل عليه تفصيل ذكر ذلك وبين هناك أن ذلك مما يكون للمتأخرين في زبوره ، بخير تفصيل وأشمله وأوسعه ، حتى أن الله تعالى أشار لذلك بكتابه المجيد فقال : ﴿ وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ . إِنَّ فِي هَذَا لَبَلاغاً لِّقَوْمٍ عَابِدِينَ ﴾ . ﴿ وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ . إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ ﴾ .وكذلك نبينا صلى الله عليه وسلم لا يخفاكم خبره لما نص على أن الساعة ما تقوم حتى تعود جزيرة العرب مروجا وأنهارا يريد هذا المعنى ، تحقق حسن المآب وطوبى للمؤمنين آخر الزمان . ومما قاله أنبياء الله تعالى عن ذلك سواء في الزبور أو على لسان المصطفى صلوات ربي وسلامه عليهم أجمعين ، ما يلي : قال داوود عليه الصلاة والسلام : " طوبى للرجل الذي تؤدبه يارب وتعلمه شريعتك ، لتريحه من أيام السوء إلى أن تحفر للمنافق هوة ، لأن الرب لا يخذل شعبه ولا يترك ميراثه " . " طوبى للشعب الذي يعرف الهتاف ، يارب بنور وجهك يسلكون باسمك يبتهجون " . " يا رب الجنود طوبى للإنسان المتكل عليك " . " طوبى لسكان بيتك فإنهم لا يبرحون يسبحونك ، طوبى للذين بك عزتهم فإن في قلوبهم مراقي إليك " . " طوبى لمن تختاره وتقربه فيسكن في ديارك فإنا قد شبعنا من خير بيتك قدس هيكلك ، تستجيب لنا في العدل استجابة عجيبة " . وعن أبي حميد قال : أقبلنا مع النبي صلى الله عليه وسلم من تبوك حتى أشرفنا على المدينة فقال : " هذه طابة " . " رواه البخاري " يفسر القرآن قاله المهدي عليه الصلاة والسلام ، راجع تفصيله عن " طابة " تحت هذا الرابط : http://www.almahdy.net/vb/showpost.p...25&postcount=2 وعنه صلوات ربي وسلامه عليه : " إن الله سمى المدينة طابة " . وقال أيضا : " بدأ الإسلام غريبا ، وسيعود كما بدأغريبا ، فطوبى للغرباء " . وللوقوف على المزيد من هذه الأخبار وما قاله الأنبياء في هذا الخصوص ، مراجعة مقال المهدي عليه الصلاة والسلام المشار إليه قبل . أقول : ويفهم من هذا أن المأمور بقراءة القرآن هو خلاف المأمور ببيانه فلكل حقه من تأويل الكتاب " الجد والحفيد معه "وهما وجهي القمر ، أو القمر وفيئه ، والأمر ظاهر بين لمن هدى الله تعالى قلبه لإدراك الذي قدر ، ومن يشاء يصده عنه ويعميه عليه كما أعمى الحق على قوم نوح عليه الصلاة والسلام . وعليه علمنا وأيقنا بأن الإقراء في سورة " الأعلى " خلاف معنى الإقراء في سورة " القيامة " . ففي سورة القيامة قال تعالى : ﴿ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ . فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ . ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ ﴾ . أما في سورة الاعلى فقال : ﴿ سَنُقْرِؤُكَ فَلا تَنسَى ... وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى . فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى ﴾ . فالتذكرة والبيان لم يجعل الله تعالى الكشف عن ذلك إلا لنفسه ، وعلى لسان من يختاره من رسول ويطلعه على غيبه الذي وعد بتحقيقه آخر الزمان ، وإفادة سورة " البينة " بهذا غير خافية لمن هدى الله تعالى قلبه للإيمان ، ولن يكون تحقق الذكر إلا برفعه تعالى لذكر المهدي المنتظر تحقق تأويل أمره ، الذي غيب علمه عن كل الخلق ، حتى أن اسم المهدي مما أخفي عنهم جميعا جعله تعالى سرا لنفسه دون جميع البشر مع أنه بات مشتهى كل الأمم ، ومتى شاء اختاره سبحانه وبعثه وحقق به وبمن حوله تأويل الذكر ، وهناك كان على المهدي بعد تيسير المولى عز وجل له ، بيان الذكر بما يعلمه ويفتح عليه ويكشف له ويكشف للأمر من حوله . وعليه أقول بأن وجه الأمر في إقراء القرآن أتي على ضربين : إقراء تلاوة فقط وهو للمصطفى صلى الله عليه وسلم ، ولهذا عائشة رضي الله عنها كانت تنكر كثرة التفسير من بعض الصحابة الصغار لآيات الكتاب ، وتقول لهم أنه صلى الله عليه وسلم : " ما كان يهذُّ الكلام كهذكم ، كان تكلم عن آيات معدودات علمهن ملاك الله تعالى جبريل عليه السلام " . تريد طبعا بذلك تفسير الأخبار ، لا آيات الأحكام والتشريع . والضرب الثاني : إقراء تذكير وبيان تأويل ، وهذا المنصوص عليه في سورة " الأعلى " وغيرها ، خلاف ما ذكر في سورة " القيامة " ، والإجمال في ذلك أن بيانه لنفسه تعالى فهو الذي سييسره لحينه ، وفي هذا مرد الأمر لعلمه وقوته وتقديره وحده عز وجل ، تبارك اسمه لا إله غيره : ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً . فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنذِرَ بِهِ قَوْماً لُّدّاً . وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُم مِّنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً ﴾ . ﴿ فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ . فَارْتَقِبْ إِنَّهُم مُّرْتَقِبُونَ ﴾ .وهذه من سورة الدخان ، وينبغي سؤال النفس هنا " يرتقب ماذا ؟! " ، وبتبين الجواب يتبين لطف مخبية الله تعالى في هذا السياق في سورة الدخان ، فإنا نجد أنه تعالى بأول تلك السورة يأمره هناك بارتقاب " الدخان " ، ثم يختم باغماض المأمور بارتقابه في آخرها ، وفي هذا يكون الوعيد أبلغ لإخفاء الإشارة إليه مع أنه مما كشف عنه بأولها فهناك صرح بذكره بأبلغ وصف لقوله : ﴿ يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنتَقِمُونَ ﴾ ، والبطش الرباني أشد شيء وأبلغ وعيد للمجرمين ( إن بطش ربك لشديد ) ، وفي ذلك تلطف ورحمة منه سبحانه لقوله عز وجل في تلك السورة بـ :﴿ لعلهم يتذكرون ﴾، بعد أن نص على تيسير الذكر ، فهم بأدنى تفحص لو طلبوا تبين الذكر سيعلمون حقيقة ذلك بكل جلاء وهو المساق بأول سورة الدخان الخاصة فيهم ، لكن الأمر بالنهاية على ما قاله أيضا تبارك وتعالى : ﴿ أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءهُمْ رَسُولٌ مُّبِينٌ . ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَّجْنُونٌ ﴾. ولما كان الله تعالى لم يجعل بيان أخبار القرآن إلا لنفسه ولا حتى لنبيه الذي التزم هذا ولم يفسر ولم يخبر ويكشف عن ما فيه سر من أسرار القرآن ، فقد يخبر بالشيء ولا يلزم من هذا كشف حقيقة معناه وبيان تفسيره ، مثل خبره عن النار التي سأله عنها اليهود أول مقدمه المدينة ، ومع أنه لم يكن يعلم أمرها بتاتا رغم إنزال الله تعالى عليه وهو بمكة خبر الدخان وهو المرتبط بها وهي ستكون مصدره ، فبان أن ذلك كان عليه مخفيا ، ثم مع إخباره عن تلك النار لم يبين ولم يكن له ذلك ليفصح بأن هذه النار وذلك الدخان كل ذلك مما نص عليه بالقرآن الكريم ويجلي عن ارتباط كل ذلك ويفسره تفسيرا تاما كونه من أشراط الساعة وأنه مما يكون بين يديها . ثم وإن كان الدخان أصرح في الذكر ، فالنار لم يكن أحد يعلم شأنها في الأمة ، وأين محل ذكرها بالكتاب العزيز ، إلا ما كان من تيسير الله تعالى لمهديه وخليفته ورسوله الذي كشف للناس عن ذلك الموضع وتم لهم العلم بذلك بعد أن هداه الله تعالى لموضعها ، أما قبله فلم يكن ذلك لأحد بيانه أبدا لم يكن ذلك ومن علم خلاف ما أقوله هنا فليرشدنا ، ولن يجد لذلك سبيلا أبدا ما يعرف به أن الله تعالى اختص المهدي بهداية خاصة منه دون الخلق كلهم فتحا منه سبحانه لبيان الذكر كما وعد بذلك بكتابه المجيد ولم يجعل ذلك لغيره ، قضاء الله تعالى وقدره . وذلك داخلٌ في معنى قوله تعالى : ﴿ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ . ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ ﴾ . وهو التيسير المذكور في سورة الأعلى بقوله سبحانه : ﴿ سَنُقْرِؤُكَ فَلا تَنسَى . إِلا مَا شَاء اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى . وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى . فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى ﴾ . وإليه كذلك الإشارة في سورة " الأنعام " بقوله عز وجل : ﴿ قَدْ جَاءكُم بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ . وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ وَلِيَقُولُواْ دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ . اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ ﴾.وهذا قطعا ليس المعني به نبينا صلى الله عليه وسلم بل حفيده المهدي صاحب الذكر ، والدلالة في ذلك بينة لقوله " بصائر " في وصف ما آتاهم الله تعالى هنا ، والبصائر من الذكر لم تكن إلا في زمنين ، الأول حين أنزلت على موسى وقومه عليه الصلاة والسلام ، ففي ذلك قال تبارك وتعالى : ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِن بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ﴾ .وكانت بصائر يوم ذاك ، من قبل أن تطمس وتحرف ويخفى منها ما أخفي حتى بات الناس منها في عمى ، يستأثر بعلم ذلك " الجبت والطاغوت " ليتسنى له بعد ذلك قيادة الناس لرغباته الشريرة وأهدافه الإبليسية يشايعه على ذلك من آمن به وكفر بالله العزيز الجبار ، وقد نط لهم بواسطة ذلك العجل والسامري ، وهناك استحوذ على قلوبهم حتى قست وختم الله تعالى عليها بعد ذلك ، وتركه ومن اتبعه ليوم الوقت المعلوم ، يوم الفصل !! والزمان الثاني الذي ستكون به تلك البصائر معلنة جلية بينة هو زمان المهدي ، وفيه قال تعالى : ﴿ قَدْ جَاءكُم بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ ﴾. أما قبل ذلك فلم تكن هناك بصائر للناس ولا هدى مبين ولا ذكرى للمؤمنين ، لمانع لم يدركه الناس ، بل لم يكن يعنيهم بتاتا ما قبل تحقق التأويل وفرقان الكتاب ، لأن ذلك لا يعني من لم يدرك التأويل ، فلم تكون لهم بصائر في ذلك والأمر مما لا يعنيهم بتاتا ؟!! فهل من الصعب إدراك هذه الحكمة ؟! ﴿ أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ . وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلاَ بَعْضُهُمْ إِلَىَ بَعْضٍ قَالُواْ أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ اللّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَآجُّوكُم بِهِ عِندَ رَبِّكُمْ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ ﴾ .لهذا نجد تقرير الله تعالى للفرقان محصورا في الزمانين زمان موسى وقومه ، وزمان المهدي وقومه فهناك كانت البصائر ومع المهدي كذلك ستكون البصائر ، قال تعالى في ذلك : ﴿ وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ . وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُواْ إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴾ . ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاء وَذِكْراً لِّلْمُتَّقِينَ . الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ وَهُم مِّنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ ﴾ . وصفه بالضياء والذكرى ، لكن ذكرى لمن ؟! قال ﴿ وَذِكْراً لِّلْمُتَّقِينَ ﴾ ، يريد الذين يدركون المهدي فيؤمنون به ويصدقون بذكر الله تعالى بأمره ، ولهذا قال عز وجل : ﴿ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ وَهُم مِّنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ ﴾ . ذكرت الساعة هنا ولن يدركها غيرهم ، لأن من عاصر موسى كليم الله عليه الصلاة والسلام إنما كان إشفاقه من التيه ! ، ومتى سيؤذن لهم بدخول الأرض المباركة الموعودة ! ، أما المهدي عليه الصلاة والسلام ومن سيؤمن به ، فهم حقا من سيدرك الساعة وسيكون مشفقا منها حقا ، لا أماني ولا خيالات وكتاب الله تعالى يخبر بالحقائق لا الترهات الموهمات . ولما كان الفرقان هو الذكر والضياء للناس ، وهو مطمع من سلف يعرفونه كما يعرفون أبنائهم ، فنحن نرى اليوم تلك الجعجعات الدولية ، وتلك الغبرات ، والهمهمات غير المفهومة ، والدبلوماسيات غير المرئية ، فالقوم في تكلف وسعي حثيث للقاء الله تعالى ويا له من لقاء شره مستطير وخزيه مشهود خطير ، وسترون . ﴿ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ . الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ . ﴿ نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ . مِن قَبْلُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَأَنزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِ اللّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللّهُ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ . إِنَّ اللّهَ لاَ يَخْفَىَ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء ﴾ .جعل الفرقان أقرب بالذكر هنا لمن كفر بآياته ، وتوعدهم بالعذاب الشديد وأنه ذو انتقام ، لأنه خاصتهم وبه ذكرهم من قديم من زمان موسى عليه الصلاة والسلام ، جعل في ذلك نورا وهدى للناس وبينات لعلهم يهتدون وبلقاء الله تعالى يوقنون ، لكنه كتم " قدر الله تعالى " ليهلك من يريد ولا ينجى إلا من يريد له النجاة سبحانه العدل الحكيم ، ومن كتمه يعرفونه كما يعرفون أولادهم ، إحذروهم ويحكم !! . ﴿ تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً . الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ﴾ .إلا ، ليقل لي الأعمى الأصم ما شأن السماوات إلا تذكر مع الفرقان ، تملكا وعلما ؟ : ﴿ لاَ يَخْفَىَ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء ﴾ ﴿ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ﴾ . ﴿ وَانتَظِرُوا إِنَّا مُنتَظِرُونَ . وَلِلّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ ﴾ . ﴿ وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ﴾ . ذلك يا أعمى أصم ، لأجل بلوغهم السماء وقت تحقق الذكر فهناك يعلم ما يسرون ، وهناك له الملك أيضا ، فعليهم أن يدركوا هذه الحقيقة جيدا . ﴿ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ ﴾ . انظروا للقرآن وهو يحمل بينات من الفرقان ، إذا الفرقان غير القرآن إنما يحمل ذكره ! ، كما حمله موسى صلوات ربي وسلامه عليه .مثله قوله تعالى : ﴿ ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ . بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ ﴾ . فهو يحمل الذكر ومضاف له ، كما أضيف له بينات الفرقان ، ذكر وفرقان في طيات القرآن ، هل يصعب إدراك هذه ؟! إن صعبت عليك يا أعمى أصم ، فأنت للتو يا حمار قد أدركت أن القرآن أنزل على موسى من قبل محمد صلى الله عليه وسلم فلم الدجل والخداع الذهني ؟! ألا وإن بينات الهدى والفرقان أجملت بالذكر في سورة " البينة " ، ففيها ذكر هذا الأمر يراجع هناك ومقدمها قوله تعالى : ﴿ لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ . رَسُولٌ مِّنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفاً مُّطَهَّرَةً . فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ . وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلا مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَةُ ﴾ . ﴿ ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَاماً عَلَى الَّذِيَ أَحْسَنَ وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَّعَلَّهُم بِلِقَاء رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ ﴾ . تفصيلا لكل شيء ؟! ﴿ أُولَـئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُاْ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآَخِرَةِ فَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ . وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِن بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءكُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ﴾ .يحسب المغفل الأعمى الأصم أن العذاب هنا عذاب جهنم وكذب ورب الكعبة ، بل هو جزائهم عذابهم بالدنيا ، لا يزالون به بازدياد حتى يفتح عليهم عذاب الباب الشديد فإذا هم فيه مبلسون ، ثم هو مقيم ولزام وخزي موعود أجله مسمى . وما بالهم ما يأتيهم من رسول إلا استكبروا عليه أو قتلوه ؟! ذلك لرفضهم ما قضى ربنا بالبركة والخلاص آخر الزمان في غير عرقهم ، وهم اليوم الملاعين ينادون بذم العرقية والعنصرية ، وهم الأخباث أشد الناس عنصرية وعرقية ملعونة غير مباركة كذلك . ﴿ وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ . وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ . وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَلا تَكُن فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَائِهِ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ ﴾. ﴿ فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُونَ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءكَ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ . وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِ اللّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخَاسِرِينَ . إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ . وَلَوْ جَاءتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُاْ الْعَذَابَ الأَلِيمَ ﴾ !! ﴿ مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ . أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ . أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إَمَاماً وَرَحْمَةً أُوْلَـئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِّنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ . ﴿ قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُمُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ . وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّىَ يَحْكُمَ اللّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ ﴾ . أي أعمى أصم هذا الذي علم أن المصطفى صبر حتى حكم الله تعالى ؟!والله إنه المهدي عليه الصلاة والسلام ، اقرأوا قبل ذلك ماذا قال تبارك وتعالى : ﴿ وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ . وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْزَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ . قُلِ انظُرُواْ مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ . فَهَلْ يَنتَظِرُونَ إِلاَّ مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِهِمْ قُلْ فَانتَظِرُواْ إِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُنتَظِرِينَ . ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُواْ كَذَلِكَ حَقّاً عَلَيْنَا نُنجِ الْمُؤْمِنِينَ . قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي شَكٍّ مِّن دِينِي فَلاَ أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ وَلَـكِنْ أَعْبُدُ اللّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ . وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ . وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِّنَ الظَّالِمِينَ ﴾ . فقوله تعالى هنا : ﴿ وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ ﴾ . هو والله نبأ موسى من قبل لقومه ، إذ قال في ذلك تبارك تعالى : ﴿ وَقَالَ مُوسَى إِن تَكْفُرُواْ أَنتُمْ وَمَن فِي الأَرْضِ جَمِيعاً فَإِنَّ اللّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ ﴾ . ومعناه كذلك في قوله عز وجل : ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِن رَّبِّكُمْ فَآمِنُواْ خَيْراً لَّكُمْ وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَكَانَ اللّهُ عَلِيماً حَكِيماً ﴾ . فمشكاة المهدي خرجت من موسى وصحيفته ، ومن القرآن وذكره . وهنا على الأعمى الأصم الجواب عما يلي : هل كفار قريش نظروا ماذا في السماوات ؟! هل أتاهم مثل ما أتى الذين من قبلهم ؟! ، وهل انتظر فيهم ذلك ؟! وهل كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم رسلا سينجيهم الله تعالى ؟! إن الأمر عظيم جد عظيم ، وعليه أخذ الله تعالى الميثاق على أهل الكتاب إلا يبيننه للناس واشترط عليهم أن لا يكتمونه ، لكن الذي وقع على الخلاف ، والأمة الإسلامية باتت في ذلك على أطم مما فعل أهل الكتاب ، فهؤلاء كتموا وحرفوا على علم وحسد أن يؤتي ربنا فضله من يشاء من عباده ، وأولئك حرفوا وطموا على جهل وضلال مبين وكذلك أوتوا نصيبا مما كان عليه اهل الكتاب أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده ، فضاع الحق بين طائفتين ، طائفة تغلوا في اهل البيت ولا تهتدي فيهم لسبيل الحق ومرضاة الله عز وجل ، وطائفة طغت وجحدت قدرهم وفضل الله تعالى فيهم ، حتى قتلوا منهم من قتلوا وشردوا من شردوا ، وبغوا عليهم في جحد الفضل وإنكار النعمة ، فكان قدر الله تعالى لهم بالمرصاد ونعمته وحسناه التي خبأ ، فكان بدلا من الحسين الثائر ، حسينا رسولا مبينا هاديا اجتباه ربه وجعله من الصالحين ، خليفته في الأرض يهدي الله به للحق ، يجاهد في سبيل الله تعالى لا يخشى لومة لائم ويقول الحق لله تعالى وإن رغمت أنوف الكافرين والمنافقين كلهم . ﴿ وَإِذَ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاء ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْاْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ ﴾ . ﴿ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ . الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ ﴾ . ﴿ فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُواْ الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَـذَا الأدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِّثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم مِّيثَاقُ الْكِتَابِ أَن لاَّ يِقُولُواْ عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقَّ وَدَرَسُواْ مَا فِيهِ وَالدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ . وَالَّذِينَ يُمَسَّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ ﴾ .وبهذا ندرك بأن الذكر والذكرى إنما ارتباط ذلك بنبي الله تعالى موسى عليه الصلاة والسلام وكتابه ، والمهدي والذكر الذي جعله الله تعالى فيه وفي أتباعه وقومه والعالم كله في وقته ، ومن قبل ذلك في صحف إبراهيم ويعقوب عليهم الصلاة والسلام وزبور داوود وحتى إنجيل المسيح عليه الصلاة والسلام ، وكل ما أتى لهذه الدنيا من نبي كان يقرر به الله تعالى هذا الحق وينبه البشرية على هذه البينات ، فقال عز وجل : ﴿ هَـذَا بَلاَغٌ لِّلنَّاسِ وَلِيُنذَرُواْ بِهِ وَلِيَعْلَمُواْ أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ ﴾ ﴿ وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الأَوَّلِينَ . أَوَلَمْ يَكُن لَّهُمْ آيَةً أَن يَعْلَمَهُ عُلَمَاء بَنِي إِسْرَائِيلَ . وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الأَعْجَمِينَ . فَقَرَأَهُ عَلَيْهِم مَّا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ . كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ . لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ . فَيَأْتِيَهُم بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ . فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنظَرُونَ . أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ . أَفَرَأَيْتَ إِن مَّتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ . ثُمَّ جَاءهُم مَّا كَانُوا يُوعَدُونَ . مَا أَغْنَى عَنْهُم مَّا كَانُوا يُمَتَّعُونَ . وَمَا أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلا لَهَا مُنذِرُونَ . ذِكْرَى وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ ﴾ ﴿ ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَاماً عَلَى الَّذِيَ أَحْسَنَ وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَّعَلَّهُم بِلِقَاء رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ ﴾ ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ ﴾ ﴿ وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلاَّ تَتَّخِذُواْ مِن دُونِي وَكِيلاً ﴾ ﴿ وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوّاً كَبِيراً ﴾ ﴿ وَقُلْنَا مِن بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُواْ الأَرْضَ فَإِذَا جَاء وَعْدُ الآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفاً ﴾ ﴿ وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الأَمْرَ وَمَا كُنتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ ﴾وما يأتيهم من كتاب من الله تعالى إلا كان في طياته بينات من هذا الذكر ، والقرآن على ذلك مهيمنا ومصدقا لما سبقه في بيان ذلك وتقريره ، فقال عز وجل : ﴿ ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ . بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ ﴾ . أي يحمله كما حملته الكتب من قبله . ﴿ فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ . بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُواْ السَّيِّئَاتِ أَن يَخْسِفَ اللّهُ بِهِمُ الأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ ﴾ .فانظروا لتعرفوا أنه لما كان أوان البيان والذكرى آخر الزمان حين يبعث الله تعالى المهدي عليه الصلاة والسلام ، توعدهم هنا المولى عز وجل بالخسف ، والخسف كما هو معلوم لأهل الحق من مواعيد الله لمن يمكر بالسيئات آخر الزمان ، أولئك الظالمين الذين كل مواعيد الكتاب فيهم على خلاف ما اعتقده الجمهور ، أن ذلك كله في كفار قريش معاصري المصطفى صلى الله عليه وسلم ، فكان لهم في ذلك ضلالا مبينا عن الكتاب وذكره . ﴿ أَفَأَنتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَن كَانَ فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ . فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُم مُّنتَقِمُونَ . أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِم مُّقْتَدِرُونَ . فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ . وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ ﴾ . ﴿ قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ . وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُل لَّسْتُ عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ . لِّكُلِّ نَبَإٍ مُّسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴾ .وهنا عاد بهم أيضا بالذكر للقذف والخسف والإلباس بالشيع ، وكلها من مواعيد آخر الزمان ، فتنبهوا إلى أن المعني هنا وقومه ليس هو النبي صلى الله عليه وسلم وقومه ، بل حفيده المهدي عليهما الصلاة والسلام ، والفيصل في هذا الأمر قوله تعالى و( سوف تعلمون ) و ( سوف تسألون ) أي بمستقر النبأ هذا ، العذاب من فوق والخسف وإلباس الشيع كذلك . ويفصل فيه أيضا قوله تعالى التالي : ( فسوف يأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزئون ) ، وكل من زعم ذلك على كفار قريش فأيقنوا بأنه كاذب على كتاب الله تعالى وذكره العظيم ، فقد مضى قوم النبي صلى الله عليه وسلم ولم يستقر فيهم شيء من ذلك . ﴿ فَقَدْ كَذَّبُواْ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنبَاء مَا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ﴾ !! . ﴿ فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ . وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ . وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ . يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ ﴾ . ﴿ فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ . فَارْتَقِبْ إِنَّهُم مُّرْتَقِبُونَ ﴾ .وهذه خاتمة سورة الدخان ، وأمره بالإرتقاب هنا في آخرها إنما يعود للـ " خسف " و " الصيحة " و" القذف " كذلك ، ودعاه للصبر على اتهامهم له بـ" الجنون " لذلك الإيمان واليقين والتصديق ، الذي كفر بموجبه قومه ومن سمع لهم واتبع كذبهم عليه . ﴿ أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءهُمْ رَسُولٌ مُّبِينٌ . ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَّجْنُونٌ ﴾ . ﴿ وَقَالُواْ يَاأَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ . لَّوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلائِكَةِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ . مَا نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ إِلاَّ بِالحَقِّ وَمَا كَانُواْ إِذاً مُّنظَرِينَ . إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾ .حفظه خالصا لنفسه ولا يبينه لوقته إلا هو سبحانه وتعالى ، عما يجهلون ويشركون ويتخذون من أولياء ولا يؤمنون بلقائه . ﴿ فَذَكِّرْ فَمَا أَنتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ ﴾ . ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ . لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ . مَا يُقَالُ لَكَ إِلا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ . وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآناً أَعْجَمِيّاً لَّقَالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاء وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُوْلَئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ ﴾ . ﴿ أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ الذِّكْرَ صَفْحاً أَن كُنتُمْ قَوْماً مُّسْرِفِينَ ﴾ . ﴿ لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ ﴾ . ﴿ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ ﴾ . ﴿ وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً ﴾ . ﴿ اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مَّعْرِضُونَ . مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مَّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ إِلا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ ﴾ . ﴿ فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ . كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنفِرَةٌ . فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ . بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ أَن يُؤْتَى صُحُفاً مُّنَشَّرَةً . كَلا بَل لا يَخَافُونَ الآخِرَةَ . كَلا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ . فَمَن شَاء ذَكَرَهُ . وَمَا يَذْكُرُونَ إِلا أَن يَشَاءَ اللَّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ ﴾ . ﴿ وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ . فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلا السَّاعَةَ أَن تَأْتِيَهُم بَغْتَةً فَقَدْ جَاء أَشْرَاطُهَا فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ ﴾ .وهذا مما يؤكد أن زمان تحقق الذكر بآخر عمر الدنيا ، لا كما ظن السلف وجمهور المفسرين بأن ذلك في مبدأ الإسلام ، وقد كذبوا بذلك على كتاب الله عز وجل ، وذكر الحق . ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِن رَّبِّكُمْ فَآمِنُواْ خَيْراً لَّكُمْ وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَكَانَ اللّهُ عَلِيماً حَكِيماً ﴾ .فهي إذاً ذكرى خاصة ييسر الله تعالى أمرها بتبيين وجهها في أوانها بالكشف عن أسرارها على لسان رسوله المبين المهدي عليه الصلاة والسلام ، فمنهم بعد ذلك جاحد ، ومنهم مؤمن منتفع وقبل ذلك أبدا لا يكون من ذلك شيء ، فلكل أجل كتاب ولكل أمة رسول منذر ، والله تعالى لا يعذب حتى يبعث رسولا للخلق فيسهل له الذكر والنذارة ، فمنهم من يتذكر ومنهم من يُصَدُ عن ذلك فيهلك الهالك عن بينة ، وينجى الناجون عن بينة وكل ميسر لما خلق له ، وما المصطفى صلى الله عليه وسلم مع الناس حين مر ، إلا كما قال صلوات ربي وسلامه عليه أنه كالغريب أو عابر سبيل ، مر واستظل تحت شجرة ثم تركها وذهب يمثل لنفسه مع الدنيا ، وقد كان حقا عابر سبيل مثله في ذلك كمثل يسوع المسيح بن مريم صلوات ربي وسلامه عليهم يريدون ما يريد الله تعالى الآخرة ، لذا كانوا على عجل غايتهم غاية الله تعالى وما هو إلا كما قرره المسيح " رسول خلاص " من باركه سيبارك ، ومن لعنه سيلعن ، وإن لهم في الدنيا خزي ثم يصليهم ربنا نار الخلد لا يخرجون منها أبدا . |
|
#2
|
||||
|
||||
|
الفصـــــــــل الأول
الفصــــــــــــــــــــل الأول لماذا لقب المهدي بالمهـــــدي ﴿ وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى . الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى . وَمَا لأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَى . إِلا ابْتِغَاء وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى . وَلَسَوْفَ يَرْضَى ﴾ . وعليه أتى وصفه على لسان جده رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم ولسان داوود عليهم الصلاة والسلام ، أنه يبدد المال ويعطيه من غير عدد . وفي سورة " الأنعام " قال ما يلي تبارك وتعالى : ﴿ وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لِّيَقُولواْ أَهَـؤُلاء مَنَّ اللّهُ عَلَيْهِم مِّن بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ . وَإِذَا جَاءكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَن عَمِلَ مِنكُمْ سُوءاً بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ . وَكَذَلِكَ نفَصِّلُ الآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ . قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ قُل لاَّ أَتَّبِعُ أَهْوَاءكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ . قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَكَذَّبْتُم بِهِ مَا عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ . قُل لَّوْ أَنَّ عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَاللّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ . وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ . وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُّسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ . وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً حَتَّىَ إِذَا جَاء أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ . ثُمَّ رُدُّواْ إِلَى اللّهِ مَوْلاَهُمُ الْحَقِّ أَلاَ لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ . قُلْ مَن يُنَجِّيكُم مِّن ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً لَّئِنْ أَنجَانَا مِنْ هَـذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ . قُلِ اللّهُ يُنَجِّيكُم مِّنْهَا وَمِن كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنتُمْ تُشْرِكُونَ . قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ . وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُل لَّسْتُ عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ . لِّكُلِّ نَبَإٍ مُّسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ . وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ . وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَلَـكِن ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ . وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ أَن تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللّهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لاَّ يُؤْخَذْ مِنْهَا أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُواْ بِمَا كَسَبُواْ لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ . قُلْ أَنَدْعُو مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَنفَعُنَا وَلاَ يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللّهِ هُوَ الْهُدَىَ وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ . وهنا تصريح من المولى عز وجل بأن ما عليه المهدي هو " الهدى " و " البينة " حقا وبه كان وصفه المستحق من الله تعالى وحده بـ ( المهدي ) وبهذا الوصف لقبته كل الأنبياء من قبله ، وآخرهم المصطفى صلى الله عليه وسلم قال في ذلك : " أبشركم بالمهدي يبعث في أمتي على اختلاف من الناس وزلازل " . بل هناك في سورة آل عمران ورد ما هو أكثر من هذا وأصرح ، ذلك في قوله تعالى : ﴿ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللّهِ أَن يُؤْتَى أَحَدٌ مِّثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَآجُّوكُمْ عِندَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ . يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ﴾ . فانظروا ماذا أوتي أهل الكتاب ، سيكون مثله في هذه الأمة وأخص ما هنالك ما أوتوا في زمان موسى عليه الصلاة والسلام ، وهم يجدون ذكر ذلك صريحا في أسفارهم وفي صحف موسى ، إلا أن كل الناس جهلوا ذلك وحسب يهود واغتروا بأن الله تعالى لن يخرجه فضلا عن أن يحققه لكن حق على الرحمان عز وجل إلا أن يوقعه فهو الأجل المسمى المنتظر . قال نبي الله تعالى " ميخا " عليه الصلاة والسلام : " إرع شعبك بعصاك غنم ميراثك الساكنين وحدَهم في الغاب في وسط الكرمل .. كما في الأيام القديمة كما في أيام خروجك من أرض مصر أُريه مُعجزات ، فيرى الأمم ويخزون من قوتهم كلها ، ويضعون أيديهم على أفواههم ، وتصم آذانُهُم " . ﴿ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَكَانَ لِزَاماً وَأَجَلٌ مُسَمًّى . فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاء اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى . وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى . وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقاً نَّحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى . وَقَالُوا لَوْلا يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِّن رَّبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِم بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الأُولَى . وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُم بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ وَنَخْزَى . قُلْ كُلٌّ مُّتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَى ﴾. إنهم لا زالوا ولن يزالوا بانتظار أن يؤتى أحدهم مثل ما أوتي موسى من قبل ، لكن الهدى !! بيد الله يؤتيه من يشاء وهي رحمته التي يختص بها من يحب : ﴿ فَلَمَّا جَاءهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِندِنَا قَالُوا لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِن قَبْلُ ﴾ . ﴿ بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ . وَقَالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ لَوْلاَ يُكَلِّمُنَا اللّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ﴾ .وهذا قول نبي الله تعالى " دانيال " فيه كذلك : " كنت أرى في رؤى الليل وإذا مع سحب السماء مثل ابن إنسان أتى وجاء إلى القديم الأيام فقربوه قدامه ، فأعطي سلطاناً ومجداً وملكوتاً " . وقال : " وكنت أنظر وإذا هذا القرن يحارب القديسين فغلبهم حتى جاء القديم الأيام وأعطي الدين لقديسي العلي ، وبلغ الوقت فامتلك القديسون المملكة " . وفي وصف ذلك القرن وتلك المملكة التي ستحارب المهدي ومن سيكون معه قال النبي : " ويذل ثلاثة ملوك . ويتكلم بكلام ضد العلي ويبلي قديسي العلي ويظن أنه يغير الأوقات والسنة ويسلمون ليده إلى زمان وأزمنة ونصف زمان . فيجلس الدين وينزعون عنه سلطانه ليفنوا ويبيدو إلى المنتهى . والمملكة والسلطان وعظمة المملكة تحت كل السماء تعطى لشعب قديسي العلي ، ملكوته ملكوت أبدي وجميع السلاطين إياه يطيعون ، وإلى هنا نهاية الأمر " . أما نبي الله تعالى عيسى فقال عنه نقلا عن الزبور وإقرارا لتلك النبوءة في الإنجيل ما يلي : " قال الله لربي إجلس عن يميني حتى أجعل أعدائك موطئاً لقدميك . يرسل الرب قضيبك الذي سيكون ذا سلطان في وسط أعدائك " . ويؤيدُها ما قاله النبي " يشوع " عليه الصلاة والسلام : " الرب وعد عبده أن يقيم منه الملك القدير الجالس على عرش المجد إلى الأبد . هو يفيض الحكمة كفيشون ، ومثل دجلة في أيام الغلال . ويملأه فهما كالفرات ، ومثل الأردن في أيام الحصاد . ويبدي التأديب كالنور ، ومثل جيحون في أيام القطاف " . وكلام الأنبياء فيه كثير جدا لو التزمت نقله كله لطال بنا الأمر ، لكني سأنقل ما يفي ببيان المقصود حتى يعرف المطلع السبب الذي لأجله لقب المهدي عليه الصلاة والسلام بهذا الوصف الجميل الرباني القدسي . وهو يأتي منهم في شمائله وجميل ذكره على وجهين ، نبوءات في التمكين والقوة ، ونبوءات في التعليم والتفقيه والهداية : فأما نبوءات التمكين والقوة فمنها ما يلي : قول نبي الله تعالى " إشعيا " عليه الصلاة والسلام : " هكذا قال الرب في وقت القبول استجبتك وفي يوم الخلاص أعنتك . فأحفظك وأجعلك عهداً للشعب لإقامة الأرض لتمليك أملاك البراري . قائلاً للأسرى اخرجوا للذين في الظلام اظهروا " . وقوله : " أنا أسير قدامك والهضاب أمهد ، أكسر مصراعي النحاس ومغاليق الحديد أقصف " . وقبله قال داوود في ذكره عليه الصلاة والسلام وكتابه أكثر كتب الأنبياء في خبره الجميل ، لا يعادله بحسب ما بلغني من علم في مناقب المهدي وحسن ذكره إلا كتاب الله تعالى القرآن المجيد ، فهذان الكتابان فصلا في خبره وبينا ذلك على التمام والكمال . هناك قال بـ " الزبور " في ذكر المهدي ما يلي : " لقد كلمت صفيك في رؤيا ! فقلت أني هيأت نصرة للجبار ورفعت المختار من الشعب " . وفيه كذلك قوله : " أرسل كلمته فشفاهم ونجاهم من تهلكتهم " . " الرب عارف أيام الكلمة وميراثهم إلى الأبد يكون " . وقال النبي " حزقيال " في هذا عليه الصلاة والسلام : " وأجعل في داخلهم روحا جديدا " . وفي الزبور : " انتظر الرب واحفظ طريقه فيرفعك لترث الأرض . عند استئصال المنافقين تنظر " . واحرصوا أن لا يخفاكم مواطأة الزبور في هذا لكتاب الله تعالى في أكثر من آية منه ، مثل قوله عز وجل : ﴿ هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن تَأْتِيهُمُ الْمَلآئِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لاَ يَنفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً قُلِ انتَظِرُواْ إِنَّا مُنتَظِرُونَ . إِنَّ الَّذِينَ فَارَقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعاً لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ ﴾ . ﴿ قُلِ انظُرُواْ مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ . فَهَلْ يَنتَظِرُونَ إِلاَّ مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِهِمْ قُلْ فَانتَظِرُواْ إِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُنتَظِرِينَ . ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُواْ كَذَلِكَ حَقّاً عَلَيْنَا نُنجِ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ . ﴿ وَقُل لِّلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ اعْمَلُواْ عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ . وَانتَظِرُوا إِنَّا مُنتَظِرُونَ . وَلِلّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾ . ﴿ قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لا يَنفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلا هُمْ يُنظَرُونَ . فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانتَظِرْ إِنَّهُم مُّنتَظِرُونَ ﴾ .وهكذا تشهد كتب الله تعالى بعضها لبعض في أمر المهدي وتحقق ذكره آخر الزمان ، وبهذا نعرف أن من عاب عليه الإنتظار لفرج الله تعالى ، واعتزاله للشر في زمانه إنما يعيب هؤلاء الجهلة المنافقون الله تعالى ذاته وما نص بكتبه على أمر وليه بذلك منه مباشرة من غير واسطة حتى ، من كتب الله تعالى لوليه ، وأي بشر أهلك ممن يعترض على هذا وينكره ويكفره ؟! وكيف يريدونه يفعل أولئك الضلال الحمقى السفهاء ، أهُدَى الله تعالى خير له ، أم سخافات عقولهم وترهات تصوراتهم ، بل زبالات تراثهم القصصي الكذاب . وفي زبور داوود عليه الصلاة قوله في أمر المهدي : " لا يخلص الملك بكثرة الجنود ولا ينقذ الجبار بكثرة القوة ، الفرس باطل للخلاص ، وبعظم قوته لا يُنجي ، إن عين الرب إلى متقيه المنتظرين رحمته ، لينقذ من الموت نفوسهم ويحييهم في الجوع ، نفوسنا تنتظر الرب فهو نصرتنا ومجننا " . (راجع وجوب الاعتزال 2/68) وقال النبي " اشعيا "عليه الصلاة والسلام : " ويقال في ذلك اليوم هوذا إلهنا انتظرناه فخلصنا ، هذا هو الرب انتظرناه ، نبتهج ونفرح بخلاصه ، لأن يد الرب تستقر على هذا الجبل !! في ذلك اليوم يُغنى بهذه الأغنية : لنا مدينة قوية ، يجعل الخلاص أسوارا وقدسة ، افتحوا الأبواب لتدخل الأمة البارَّةُ الحافظة الأمانة . ويكون في ذلك اليوم انه يضرب ببوق عظيم فيأتي التائهون في أرض أشور والمنفيون في أرض مصر ويسجدون للرب في الجبل المقدس !! " . وقال " يشوع " النبي عليه الصلاة والسلام : " املأ شعبك من مجدك ، اشهد للذين هم خلقك منذُ البدء ، وأيقظ النبوءات التي باسمك ، أعط الذين ينتظرونك الثواب ، وليتبين صدق أنبيائك ، استجب أيها الرب لصلاة المتضرعين إليك " . وقال " اشعيا " عليه الصلاة والسلام : " أما المتوكل علي فيملك الأرض ويرث " جبل قدسي " !! ، ويقول أعدوا أعدوا هيئوا الطريق ، ارفعوا المعثرة من طريق شعبي " . انظروا للتواطؤ كيف هو بكتب الله تعالى على معنى " الإنتظار " ، ما يدل على أن الحال المعنية واحدة بالوقت ، وواحدة بالذوات ، وأن هذه الأخبار من القديم كلها بالمهدي عليه الصلاة والسلام وذكره . وافقهوا جيدا بـ" أن وارث الأرض " هو سيكون " وارث الجبل المقدس " ، فلا تخدعنكم اليهودية العالمية بكهنوتها الزائف ولا الصهيونية الكاذبة الفاجرة ، ومن فوق ذلك الجبل سيكلم الله تعالى خليفته ومهديه ، كما كُلِمَ موسى عليه الصلاة والسلام ، من فوق جبل " سيناء " : " إن الله تعالى من سيناء تجلى ، وأشرق نوره من سعير ، واطلع من جبال فاران !! ، ومعه ربوات المقدسين " . وهذه من أعظم نبوءات موسى الكليم عليه الصلاة والسلام في سفر " التثنية " ونص الترجمة هنا منقول من كتاب (بذل المجهود في افحام اليهود ) للحكيم السموءل بن يحيى بن عباس المغربي متوفى عام 570 وهو من كبار أحبار اليهودية في زمنه قبل أن يسلم . وفي هذه النبوءة الإشارة لجبل سيناء نسبة لتكليم موسى عليه الصلاة والسلام ، وكذلك الإشارة التالية لآبار بترول الكويت المشتعلة في فتنة " السرى " وقد سبق وفصل ذكرها بكتاب الإمام الأول " وجوب الاعتزال " وقد أفرد لها كتابا مستقلا واسمه " عمد النار والدخان من أظهر علامات بعث المهدي " ، ومن أجلها أتى وصف المكان بـ " سعير " نسبة لتلك النيران المستعرة !! ، وهي محلة المهدي ومكان سكناه . أما الإشارة الأخيرة وهي " جبال فاران " فالمراد بها جبل " أحد " الجبل المقدس ، ولهذا نص على " ربوات المقدسين " ومراده جمهرة القديسين من الصديقين الذين سيكونون مع المهدي أنصاره عليه الصلاة والسلام ، حين يمكن ويستقر بطيبة مدينة المصطفى صلى الله عليه وسلم ، وبها جبل أحد الذي سيكلمه الله تعالى من فوقه كما كلم موسى ، ولهذا أتت الإشارة لهذا المعنى بقولة بتلك النبوءة التوراتية : " واطلع " . والمعنى يتجلى من سيناء ، ويشرق من سعير بنور الحق ، ويطلع من جبال فاران ، وبهذا المنتهى بالتجلي وإظهار البهاء والقوة التي ستكون مشاهدة معلومة عالميا لكل أحد ، غير مختصة بقوم معينين . وقال " داوود " بموضع آخر من زبوره عليه الصلاة والسلام : " فإني لست على قوسي أتكل ولا سيفي يخلصني ، بل أنت الذي خلصتني من مضايقي ، وأخزيت مبغضي " . أما " إشعيا" عليه الصلاة والسلام فيقول في هذا الشأن : " هكذا قال الرب لقد باعوكم بدون مقابل كذلك لن يفك أسركم بالمال " . وقال النبي " زكريا " عليه الصلاة والسلام : " لا بالعنف ولا بقوة الجيش ولكن بروحي " . وهذا النبي " هوشع " عليه الصلاة اقرأوا ماذا يقول في هذا أيضا : " سوف أخلصهم بقوة رب الجنود ، ولن أنقذهم بالقوس ولا بالسيف ولا بالحروب ولا بالخيل ولا الفرسان " . وقال نبي الله تعالى " ميخا " عليه الصلاة والسلام : " كما في أيام خروجك مـن أرض مصر أريه معجزات . فترى الأمـم ويخزون من قوتهم كلها ويضعون أيديهم على أفواههم وتصم آذانهم " . وقال " إرميا " عليه الصلاة والسلام : " ولا يقولون بعد حيٌّ هو الرب الذي أصعد بني إسرائيل من أرض مصر ، بل حيٌّ هو الرب الذي أصعد وأتى بهم من أرض الشمال ـ أرض الشمال الأرض التي سكنها المهدي بين ذلك اشعيا النبي ـ ومن جميع الأرض " . وعليه لما أخبر المصطفى صلى الله عليه وسلم عن هذا كان أمر المؤمن آخر الزمان عند إدراكه للفتن أن يكف نفسه ، فإنه يعلم بأنهم هناك ليس بمقدورهم كأفراد تغيير شيء فأمرهم حين ذاك بما هو معلوم للكل ، أن يعتزل المؤمن الناس وشرهم ووجه لمن له غنم أن يلحق بغنمه ، ومن له أرض أن يلحق بها ، ومن عدم كل ذلك أن يلزم بيته ويكون حلسا من أحلاس البيت ، أراد لزومه للبيت والكف عن الناس وما هم فيه خصوصا عامة أمورهم . وصرح بالأمر بكف اليد واللسان كذلك ، لكن كل هذا مما تركه أهل الفتن والأحزاب عميان القلوب الذين التبست عليهم الأمور واختلط عليهم أمر دينهم ودنياهم فانتهوا في ذلك كله للبس عظيم لا زالوا فيه من أردى لأحط ، وهانوا على الناس حتى باتوا بينهم أذل من دحْرجَّة جعل ، لاهم من اعتز بدين الله تعالى وتمسكوا بوصاياه ووصايا رسله ليعزهم ، ولا هم من نال العزة بأيديهم وجهدهم وعسكرهم ، عجَّزَهم ولما خالفوا أمره وتقديره أوهنهم حتى باتوا أضعف من خيوط العنكبوت ، تطيرها نفخة منخر ثور . " يا من أخذته من أقاصي الأرض ـ نسبته لأقصى الأرض هنا يريد طرف اليابسة من جهة البحر ـ ودعوته من أقطارها ، وقلت له : أنت عبدي اخترته ولم أرذله ، فلا تخف فإني معك ولا تتلفت فأنا إلهك ، قد قويتك ونصرتك وعضدتك بيمين عدلي . ها إنه يخزى كل الذين استشاطوا عليك ويخجلون وخصومك يصيرون كلا شيء ويهلكون ! تلتمس مشاجريك فلا تجدهم ومحاربوك يصيرون كلا شيء ومثل العدم ! لأني أنا الرب إلهك آخذٌ بيمينك قائلا لك : لا تخف فإني قد نصرتك " . " اشعيا " فقول النبي هنا " لا تخف قد نصرتك " . إشارة مطابقة لما قاله النبي صلى الله عليه وسلم في " الطائفة المنصورة " و " حي عنزة " من المشرق ، المبغى عليهم وسينصرون . وقال أيضا النبي " إشعيا " عليه الصلاة والسلام فيه وما أكثر ما قال في ذكره هذا النبي : " قد أنهضته من الشمال فسيأتي ومن مشرق الشمس يدعُو بإسمي ، ويطأ الولاة مثل الوحل وكالخزاف يدوس الطين " . وقال كذلك : " أما الراجون للرب فيتجددون قوة ، يرتفعون بأجنحة كالنسور يعدون ولا يعيون يسيرون ولا يتعبون " . وقال : " أدعو من المشرق النسر ومن الأرض البعيدة رجل مشورتي ، قد قلت وسأتم ، رسمت وسأفعل " . وقال : " أقطري أيتها السماوات من فوق ، ولتمطر الغيومُ الصديق ، لتنفتح الأرض وليثمر الخلاص ، ولينبت البِّر " . قال أبو سعيد سمعت رسول صلى الله عليه وسلم يقول : " يخرج في آخر أمتي المهدي ، يسقيه الله الغيث ، وتخرج الأرض نباتها ، ويُعطي المال صحاحا ، وتكثر الماشية ، وتعظم الأمة " . انظروا لتطابق ما قاله النبي "اشعيا" وما قاله المصطفى صلى الله عليهما وسلم في أمر المهدي ، لتوقنوا أن الأنبياء جميعهم كانوا يخبرون عن هذا الأمر العظيم ، وأن " الصديق " من أوصاف المهدي والنسر كذلك ، وقد ورد ذكر أنه الصديق بالقرآن المجيد صريحا بقوله تعالى : ﴿ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْكَافِرِينَ . وَالَّذِي جَاء بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ . لَهُم مَّا يَشَاءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاء الْمُحْسِنِينَ ﴾ . ﴿ أَفَمَن وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لاقِيهِ كَمَن مَّتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ ﴾ .قرر هذا الوصف في ذكر المهدي " الصديق " نبي الله تعالى " إشعيا " في أكثر من موضع من سفره المبارك : " أشرق النور على الصديق والفرح على المستقيمي القلوب ، إفرحوا أيها الصديقون بالرب ، واعترفوا لذكر قداسته !! " . وقال أيضا : " من أنهض الصديق من المشرق ! ودعاه إلى قدمه ! وجعل الأمم بين يديه ، وأخضع له الملوك وجعلهم كالتراب لسيفه وكالعصافة المذراة لقوسه ، يطردهم ويجوز سالما في سبيل لم يطأهُ بقدميه " . وقال : " وفي ذلك اليوم يسمع الصم أقوال الكتاب وتبصر عيون العمي بعد الديجور والظلام ، ويزداد البائسون سرورا بالرب ويبتهج المساكين من البشر بقدوس " الله " ، لأن الجائر قد انقرض والساخر قد فني واستؤصل كل الذين يسهرون لأجل الإثم ، الذين يؤثمون الإنسان لأجل كلمة وينصبون الفخ لمن يفحمهم لدى الباب ، ويصرعون الصديق بأكاذيبهم " . وقال : " يفرح الصديق إذا شهد الانتقام ، يغسل قدميه بدم المنافق، فيقول الإنسان إن للصديق ثمرا ، إن في الأرض لإلها ديانا " . وقال : " إن الرب قد أحبه فهو يقضي مشيئته على بابل ويكون ذراعه على الكلدانيين ، أنا أنا الرب تكلمت ودعوته وأتيت به وسينجح طريقه .. هكذا قال الرب فاديك أنا إلهك الذي يعلمك ما ينفع ويهديك الطريق الذي تسير فيه " . ولما كان الأمر كله يسير الآن بالعالم متجها لله تعالى لتحقيق أمر المهدي ، نرى الشياطين يسابقون أمر الله تعالى ويجتهدون يلعبون الدور الذي خطه الله تعالى ورسمه للصديق ، فما تركوا من شيء إلا ادعوه حتى شعار دولتهم اتخذوه من قول اشعيا عن المهدي واصفا إياه بـ " النسر " ، ولا في ضربهم لبابل وتحطيمهم لأصنامها ، ففي كل ذلك هم يحاكون أمر المخلص المهدي الصديق ، يسابقون أمر الله تعالى وآياته وهو سابقهم ولاعنهم وقاطع دابر الكافرين . وأما " داوود " صلوات ربي وسلامه عليه فقد ذكر هذا الوصف " الصديق " للمهدي في أكثر من موضع من كتاب المبارك " الزبور " ، ومن ذلك قوله : " جيل المستقيمين يُبارك الصديق يكون ذكـره إلى الأبد لا يخشى خبر السوء . ثابت قلبه متكل على الرب . قلبه مسند فلا يخشى إلى أن يرى خيبة مضايقيه . بدد وأعطى المساكين فبره يدوم إلى الأبد وقرنه يرتفع بالمجد . والمنافق يبصر فيغضب ويذوب بغيته تهلك " . وقال : " أخرج من الحبس نفسي لكي أعترف لإسمك ، يحيطُ بي إكليل من الصديقين حين تكافئني " . وقال صلوات ربي وسلامه عليه كذلك : " هناك جزعوا جزعا حيث ليس جزعٌ لأن الله في جيل الصديقين " . وقال : " فم الصديق يهذ بالحكمة ولسانه ينطق بالعدل ، في قلبه شريعة إلهه فلا تزل خطواته . . انتظر الرب واحفظ طريقه فيرفعك لترث الأرض ، عند استئصال المنافقين تنظر " . أما ولده نبي الله تعالى " سليمان " صلى الله عليهما وسلم ، فيقول في ذلك كما هو مثبت بالسفر المنسوب له " سفر الحكمة " : " حينئذ يقوم الصديق بجرأة عظيمة في وجوه الذين ضايقوه وجعلوا أتعابه باطلة ، فإذا رأوه يضطربون من شدة الجزع وينذهلون من خلاصٍ لم يكونوا يظنونه " . وقال كذلك في هذا الخصوص : " أما الصديقون فسيحيون إلى الأبد وعند الرب ثوابهم ولهم عناية من لدن العلي ، لذلك سينالون ملك الكرامة وتاج الجمال من يد الرب لأنه يسترهم بيمينة ، وبذراعه يقيهم " . ﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاء عِندَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ ﴾ .وأيضا قال في ذلك نبي الله تعالى " صفنيا " عليه الصلاة والسلام : " ويل للمتمردة الدنسة ، المدينة الجائرة ... الرب الصديق في وسطها ، لا يصنع إثما ، وصباحا فصباحا يبرز حكمه إلى النور لا يتعذر . أما الظالم فلا يعرف الخزي " . أما بخصوص نبوءاتهم في تعليمه وتفقيهه وهدايته لسبيل الله تعالى المستقيم وصراطه القويم ، فمن ذلك : ما ورد في زبور " داوود " عليه الصلاة والسلام ، قوله : " إكشف عن عيني فأبصر معجزات من شريعتك ، أنا في الأرض غريب فلا توارِ عني وصاياك ، اشتاقت نفسي إلى الرغبة في أحكامك كل حين " . وفيه أيضا قوله : " من وراء ومن قدام أحطت بي وجعلت على يدك . علم عجيب فوق طاقتي أرفع من أن أدركه . أين أذهب من روحك ! وأين أفر من وجهك " . وفيه كذلك : " أعلمني الطريق الذي أسلك فيه فإني إليك رفعت نفسي . أنقذني من أعدائي يا رب فإني بك استعذت . علمني أن أعمل مرضاتك لأنك أنت إلهي . إن روحك صالح فهو يهديني في أرض الاستقامة . من أجل اسمك يارب تحييني بعدلك تخرج من الضيق نفسي ، وبرحمتك تدمر أعدائي وتهلك جميع مضايقي نفسي ، لأني أنا عبدك " . وفيه قوله : " لقد جعلتني وصيتك أحكم من أعدائي لأنها لي إلى الأبد !! ، صرت أعقل من كل معلمي لأن شهاداتك تأملي ، أصبحت أفطن من كل الشيوخ لأني رغبت أوامرك ، بأوامرك صرت بصيرا فلذلك أبغضت كل سبيل زور . كلمتك مصباح لقدمي ونورٌ لسبيلي ، أبغضت الأثمة وأحببت شريعتك ، لقد استخففت بكل الذين ضلوا عن رسومك لأن مكرهم عبث . حسبت جميع منافقي الأرض خبثا فلذلك أحببت شهاداتك .. قد أجريت الحكم والعدل فلا تسلمني إلى الجائرين علي . إلتفت إلى وارحمني بحسب تدبيرك مع الذين يحبون اسمك . فاضت من عيني مجاري مياهٍ لأنهم لم يحفظوا شريعتك ، أكلتني غيرتي لأن مضايقي نسوا كلامك ، رأيت المخادعين فمقتهم لانهم لم يحفظوا أقوالك " . وهنا فوائد جمة عند نص هذه النبوءة لا بد من التعليق عليها ولو بإيجاز للفوائد العظيمة التي تضمنها هذا النص من نبوءة داوود ، خليفة الله تعالى ونبيه صلى الله عليه وسلم . أولها : وصف المهدي بالغريب ، وهذا مطابق لما وصف به النبي صلى الله عليه وسلم الغرباء في أمته ، ما يعني أن المصطفى صلى الله عليه وسلم في ذلك الوصف إنما يريد المهدي حفيده ومن معه على هذا الأمر الجلل العظيم ، لا ما ادعاه الكذبة ونزلوه على أهل الحديث ، فقد بين الأنبياء أن للغرباء " طابة " أو " طوبى " . فهل كان لمن ادعوا لهم ثوب الزور ، طوبى أو طابة ؟! ثانيا : قوله عليه الصلاة والسلام " كلمتك مصباح لقدمي ونورٌ لسبيلي " . وهذا نظيره قوله في موضع آخر من الزبور عن المهدي عليه الصلاة والسلام : " لأَنَّكَ أَيُّهَا الرَّبُّ إِلَهِي تَضِيءُ مِصْبَاحِي ، وَتُحَوِّلُ ظَلاَمِي نُوراً ، لأَنِّي بِكَ اقْتَحَمْتُ جَيْشاً ، وَبِمَعُونَةِ إِلَهِي اخْتَرَقْتُ أَسْوَاراً " . وهذا مصداقه بالقرآن العظيم في مواضع منها ، قوله تعالى : ﴿ أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ . ﴿أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّبِّهِ فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ﴾ . ﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاء عِندَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ ﴾ . ﴿ اللّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ ﴾ . ﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً . رَّسُولاً يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِّيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحاً يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقاً ﴾ . ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاء وَذِكْراً لِّلْمُتَّقِينَ . الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ وَهُم مِّنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ ﴾ .وهنا نلحظ تطابق وتواطؤ نبوءات كثيرة على تقرير هذا الوصف بالنور للمهدي والصديقين معه ، من ذلك الآيات المذكورة قبل حتى أن الله تعالى في آية سورة " الحديد " جعل النور مضافا لأجرهم للمغايرة والإشارة لمعنى زائد هنا ، وهو كذلك من بعد ما وصفهم بالصديقين والشهداء عند ربهم ، فجعل لهم أجرا ونورا ، وهنا لا بد للإضافة في النور من معنا زائد على مجرد الثواب وهو المعنى المراد بما تواطأت عليه كل هذه النبوءات . وهذه جملة نبوءات أتت على ذكر هذا النور ، جمعت ذكرها هنا باختصار للإفادة : ﴿ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ ﴾ . ﴿فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّبِّهِ ﴾ . ﴿ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ ﴾ . ﴿ اللّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ ﴾ . ﴿ وَضِيَاء وَذِكْراً لِّلْمُتَّقِينَ ﴾ . ﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً . رَّسُولاً يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِّيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ﴾ . ﴿ لأَنَّكَ أَيُّهَا الرَّبُّ إِلَهِي تَضِيءُ مِصْبَاحِي ﴾ . ﴿ كلمتك مصباح لقدمي ونورٌ لسبيلي﴾ . ﴿ إكشف عن عيني فأبصر معجزات من شريعتك ﴾ . ﴿ ويبدي التأديب كالنور ﴾ . ﴿ أشرق النور على الصديق ﴾ . ﴿ وصباحا فصباحا يبرز حكمه إلى النور لا يتعذر ﴾ . ﴿ وأشرق نوره من سعير ﴾ . ﴿ أيسأل الأموات عن الأحياء ، بل اسألوا الشريعة والشهادة ، من لم ينطق بهذا الكلام فلا يضيء له الصبح ﴾ .وراجع شرح هذا المعنى ، تحت هذا العنوان : الإنترنت لسان الجيل وبه إبلاغهم رسالة المهدي ثالثا : وهو الأهم ، ففي قوله عليه الصلاة والسلام في هذه النبوءة : " قد أجريت الحكم والعدل فلا تسلمني إلى الجائرين علي " . أن الصليبية لما كانوا يحملون هذا النص وغيره كثير من زبور نبي الله تعالى داوود بزعمهم على حفيده يسوع المسيح ، ففي حمل هذا النص على يسوع هدم لأصل أساسي في ملتهم الباطلة ، وهو كذبهم باعتقادهم الثابت على خلاف ما ورد هنا في الزبور ، فالنبوءة هنا صريحة في طلبه عدم التسليم ، أما ما كذبوه في سيرة حياته صلوات ربي وسلامه عليه فإنه على العكس في ذلك ، فقد سلم وامتهن وعذب وقتل شر قتلة ، ولا يفيدهم إذا تهربوا وتنصلوا من هذا النص وما به من لازم ، بإنه في ذات النبي داوود عليه الصلاة والسلام ، وهذا سيكون تناقض منهم واختيار فاضح لكذبهم على كتاب نبي الله تعالى داوود عليه الصلاة والسلام ، فجل ما ورد في الزبور من حكايات كهذه إنما تحمل في ملتهم الباطلة على المسيح يسوع عليه الصلاة والسلام ، وأن قد تقرر بالجملة أن النبي في زبوره إنما يخبر عن ولده يسوع في هذه النبوءات ، وهناك العديد من جنس هذا النص محمله عندهم كما قلت ، كبذل الوجه ونتف الناتفين وبصقهم ، حتى أنهم كذبوا على الزبور ووضعوا فيه التصريح لا التلميح بتسمير اليدين على خشب الصليب وشبه هذا ، مثل دعواهم وتحريفهم الكلام على أنه قام من بين الأموات ، وذكر الدم والخبز وما شابه هذا من تفاصيل باطلة كاذبة ، يدينون بها ويعتقدونها في أصول ملتهم من الزبور ليسوع ! كذلك لا يفيدهم في باطلهم دعواهم عدم التسليم بالروح وهي شنشنتهم المعهودة في التلاعب ما بين الناسوت واللاهوت ، فالعبرة هنا بالسياق للجسد ، ولا تخصيص معقول ومنطقي للروح هنا في عدم التسليم ، فالروح لا تسلم بحال للمخلوقين . ثم إن ما يبطل نسبتهم ذلك النص لذات النبي داوود ، أن زبوره إنما أنزل عليه وهو ملك ممكن لا قبل ذلك ، ما يعني أنه يتحدث عن غيره ، فنحن نعتقد أن المعني بالنص هنا وغيره المهدي عليه الصلاة والسلام ، وهم يعتقدون أنه يسوع ابنه عليه الصلاة والسلام ، فلزم بما قررت هنا هدم ملتهم لو يعون بهدم أصلهم في اعتقاد تسليمه لأعدائه ، وهو خلاف نص هذه النبوءة ، وما بنوا على وفق ذلك من أكاذيب وخرافات كلها تدل على بطلان ملتهم وتهافت أصولها عند التحقيق والتمحيص . وفي " زبوره " عليه الصلاة والسلام وفيه نفي التسليم ، قوله : " الرب يحفظه ويحييه ويسعده في الأرض ولا يسلمه إلى نفوس أعدائه ، الرب يعضده على سرير الوجع ، إنك مهدت مضجعه كله في سقمه " . وقوله بالتمهيد له هنا يوافق ما روي عن المصطفى صلوات ربي وسلامه عليهم جميعا ، قوله : " يخرج ناس من المشرق فيوطئون للمهدي سلطانه " . " رواه ابن ماجة والطبراني في الاوسط والبيهقي " ولم ينفرد الزبور بذكر تمهيد الله تعالى لدعوة المهدي عليه الصلاة والسلام ، بل اتفق معهم أيضا في ذكر ذلك نبي الله تعالى "إشعيا " فقال : " أنا أسير قدامك والهضاب أمهد ، أكسر مصراعي النحاس ومغاليق الحديد أقصف " . وقال أيضا هذا النبي في هداية الله تعالى له وتوفيقه كذلك : " من أرشد رُوح الرب أو كان له مشيرا وعلمَهُ ، من استشاره فأفهمه وفقهه في سبيل العدل ولقنه العلم وعلمَهُ طريق الفهم " . " أنا أنا الرب تكلمت ودعوته وأتيت به وسينجح طريقه .. هكذا قال الرب فاديك أنا إلهك الذي يعلمك ما ينفع ويهديك الطريق الذي تسير فيه " . وقال أيضا : " يوقظ كل صباح يوقظ لي أذنا لأسمع كالمتعلمين ، السيد الرب فتح لي أذنا وانا لم أعاند ، إلى الوراء لم أرتد " . الأنبياء لا زالوا في ذكر المهدي وبيان أوصافه من قديم : قال في ذلك نبي الله تعالى " إشعيا " عليه الصلاة والسلام : " أخبروا قدموا تشاوروا معا ، من أعلمَ بهذه مُنذ القديم ، أخبر بها منذُ زمانٍ " . " اذكروا الأوليات مُنْذُ القديم لأني أنا اللهُ وليس آخَرُ ، الإله وليس مثلي ، مخبرٌ منذُ البدء بالأخير ومنذُ القديم بما لم يُفعَلْ ، قائلا : رأيي يقومُ وأفعل كل مسرتي ، داع من المشرق الكاسر من أرض بعيدة رجل مشورتي ، قد تكلمتُ فأجريه ، قضيت فأفعله " . " أخبروا بالآتيات فيما بعد فنعرف أنكم آلهة " . وقال " يشوع " النبي عليه الصلاة والسلام : " املأ شعبك من مجدك ، اشهد للذين هم خلقك منذُ البدء ، وأيقظ النبوءات التي باسمك ، أعط الذين ينتظرونك الثواب ، وليتبين صدق أنبيائك ، استجب أيها الرب لصلاة المتضرعين إليك " . وقال " حبقوق " النبي صلوات ربي وسلامه عليه : " اكتب الرؤيا وانقشها على الألواح لكي يركض قارئها ، لأن الرؤيا بعد إلى الميعاد وفي النهاية تتكلم ولا تكذب ، إن توانت فانتظرها لانها ستأتي إتيانا ولا تتأخر " . وقال " إرميا " النبي كذلك في هذا المعنى صلوات ربي وسلامه عليه : " لا يرتد غضب الرب حتى يجري ويقيم مقاصده ، في آخر الأيام تفهمون فهما " . وقال " يعقوب " لبنيه عليه الصلاة والسلام : " اجتمعوا لأنبؤكم بما يصيبكم في آخر الأيام " . ونبأهم موسى من بعد كذلك أن الشر سيصيبهم آخر عمر الدنيا ، وحتى نبي الله " بلعام " نبأهم بذلك ، ومما قاله اشعيا أيضا لهم : " ويكون في آخر الأيام أن جبل الرب يكون ثابتا في رأس الجبال " . وكان الله تعالى على لسان نبيه " اشعيا " عليه الصلاة والسلام يحاربهم في ذلك ويتحداهم ، بل يستفزهم : " هوذا الأوليات قد أتت والحديثات أنا مخبر بها ، قبل أن تثبت أعلمكم بها . . أيها المنحدرون في البحر وملؤهُ والجزائر وسكانها لترفع البريةُ ومدنها صوتها الديار التي سكنها قيدارُ !! ، لترنم سُكَّانُ سالِعُ من رؤوس الجبال ، ليهتفوا ليعطوا الرب مجدا ، ويخبروا بتسبيحة في الجزائر ، الرب كالجبار يخرج ، كرجل حُروبٍ ينهض غيرته يهتف ويصرخ ويقوى على أعدائه " . وقال نبي الله تعالى " دانيال " وقد مر معنا : " والمملكة والسلطان وعظمة المملكة تحت كل السماء تعطى لشعب قديسي العلي ، ملكوته ملكوت أبدي وجميع السلاطين إياه يطيعون ، وإلى هنا نهاية الأمر " . وعند نبي الله تعالى " حزقيال " ما هو أصرح في هذا الخصوص ، قوله : " يا ابن آدم هوذا بيت إسرائيل قائلون الرؤيا التي هو رائيها هي إلى أيام كثيرة وهو متنبئ لأزمنة بعيدة ، لذلك قل لهم هكذا قال السيد الرب : لا يطول بعد شيء من كلامي ، الكلمة التي تكلمت بها تكونُ يقول السيد الرب " . قال " اشعيا " : " ابحثوا في كتاب الرب واقرأوا لا يعدم من هذه شيء ولا يفقد شيء منها ، لأن ما ينطق به فمي هو أمر به ، وروحُهُ هو الذي حشرها " . فسبحان الذي قدر هذا وأخبر به ، ومنه نفهم السبب الذي لأجله حقد اليهود على الأنبياء وبغضوهم جدا لذلك ، لأنهم كرهوا ما قدره تعالى عليهم وعلى غيرهم وحقدوا بسبب ذلك حقدا شديدا قست بسببه قلوبهم على ذكر الله تعالى ، فعمدوا لتحريفه ونسبته لهم رغما عن الله تعالى بزعمهم ، ومناهم الشيطان فيما يرغبونه وما يمنيهم إلا غرورا . ﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ﴾ . ﴿ قُلْ جَاء الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ . قُلْ إِن ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ . وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ . وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِن مَكَانٍ بَعِيدٍ . وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِن قَبْلُ وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ . وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِم مِّن قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُّرِيبٍ ﴾ . ﴿ وَمَا أَمْرُنَا إِلا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ . وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ . وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ . وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ . إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ . فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ ﴾ . |
|
#3
|
||||
|
||||
|
الفصــــــــــل الثاني
الفصــــــــــــــــــــل الثاني طوبى هي " الحسنى " و" دار السلام " والصديق الشاهد المهدي وأتباعه معه ﴿ فَمَن يُرِدِ اللّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللّهُ الرِّجْزَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ . وَهَـذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيماً قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ . لَهُمْ دَارُ السَّلاَمِ عِندَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ ﴿ إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ حَتَّىَ إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ . وَاللّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلاَمِ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ . لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلاَ يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلاَ ذِلَّةٌ أُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ . ﴿ فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَّى عَن ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا . ذَلِكَ مَبْلَغُهُم مِّنَ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى . وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاؤُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى ﴾ . ﴿ وَمَا أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلا تَعْقِلُونَ . أَفَمَن وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لاقِيهِ كَمَن مَّتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ ﴾ . ﴿ تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الأَرْضِ وَلا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ . ﴿ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ قَدْ جَاءكُم مِّنَ اللّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ . يَهْدِي بِهِ اللّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنِ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴾ . ﴿ وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ﴾ . ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْكَافِرِينَ . وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ﴾ .وكانت فريتهم زعمهم لعنهم الله تعالى أن " الحسنى " فيهم ، وأن " دار السلام ـ أورشليم " إنما هي لهم خالصة من الله تعالى من دون الناس ، وهو الإعتقاد اليهودي العالمي الدولي اليوم ومن قبل ، يظاهرهم عليه الكثير إلى وقتنا هذا ، كما هو ظاهر لا يخفى على بصير ، وقد قال تعالى في بيان كشف هذا الزيف وأنه ادعاء باطل : ﴿ وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِم مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَآبَّةٍ وَلَكِن يُؤَخِّرُهُمْ إلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ . وَيَجْعَلُونَ لِلّهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى لاَ جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ الْنَّارَ وَأَنَّهُم مُّفْرَطُونَ ﴾ . وقال في ذكر التعيين لمن تكون هذه " الحسنى " و الـ " دار الآخرة " ودار " السلام " و " اليسرى " و" الذكرى " و " البشرى " ، ووجد اسمه " الحسين " وفيه استودع الله تعالى أسراره ، ووصفه بأحد كتبه أنه " رجل مشورته " : ﴿ وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ . الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الأَلْبَابِ . أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنتَ تُنقِذُ مَن فِي النَّارِ ﴾ .وكلمة العذاب لم تحق وتجب إلا لمن عاصره وأدرك الحسنى فكذبها ، وعرضت عليه الذكرى فجحدها رغم ما صرَّف الله تعالى لها من بينات وآيات ، في طول العالم وعرضه . ثم أتبع ذلك بالقول : ﴿ أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّبِّهِ فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ . اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُّتَشَابِهاً مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَن يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ ﴾ . ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ . وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ . وَمَن كَفَرَ فَلا يَحْزُنكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ . نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلاً ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ ﴾ .وهنا تأكيد عظيم وبيان فصل لوقت هذا المتاع الموعود أن تكون نسبته للأزمان قليلا ، ثم يعقب ذلك العذاب الغليظ اللزام المقيم ، فمن لم يعقب متاع دنياه هذا العذاب الموعود فأيقنوا كما قرر هذا في هذه الدعوة المباركة مرارا وتكرارا ، أن متأول ذلك كاذبٌ على أيٍ كانوا ، سواء قيل بأنهم قريش وكان قائل ذلك من السلف ، أو قيل في غيرهم ، فما لم يقع هذا المتاع ثم يضطرهم الله تعالى بعده للعذاب الموعود ، فلا تصدقوا ذلك من أي أحد قاله مهما كان . ﴿ وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ . وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ . وَنَصَرْنَاهُمْ فَكَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ . وَآتَيْنَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ . وَهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ . وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي الآخِرِينَ . سَلامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ . إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ﴾.فمن هؤلاء الذين سينصرون ويجازون كما جوزي ونصر موسى وقومه ؟! لقد ورد بالمأثور عن الأنبياء أن هذا سيكون بالمهدي ومن معه ، وسيكون من ذلك أكبر وأعظم ، وقد فصل ذكر ذلك بالزبور وورد تصديقه بالقرآن وما أخبر الرسول المصطفى صلى الله عليه وسلم ، فأولئك هم المحسنين . ﴿ لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْءٍ إِلاَّ كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاء لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاء الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ ...قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قُلِ اللّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُم مِّن دُونِهِ أَوْلِيَاء لاَ يَمْلِكُونَ لأَنفُسِهِمْ نَفْعاً وَلاَ ضَرّاً قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُواْ لِلّهِ شُرَكَاء خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ . أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رَّابِياً وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاء حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثَالَ . لِلَّذِينَ اسْتَجَابُواْ لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لاَفْتَدَوْاْ بِهِ أُوْلَـئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ ﴾ . ﴿ وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ . بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ . ﴿ قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ . وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ . وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ ﴾ . ﴿ وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَاماً وَرَحْمَةً وَهَذَا كِتَابٌ مُّصَدِّقٌ لِّسَاناً عَرَبِيّاً لِّيُنذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ . إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ . ﴿ أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ . الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ . لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ . وَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلّهِ جَمِيعاً هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ . أَلا إِنَّ لِلّهِ مَن فِي السَّمَاوَات وَمَن فِي الأَرْضِ وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ شُرَكَاء إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ ﴾ .وثبت عن المصطفى صلوات ربي وسلامه عليه أنه فسر البشرى هنا بـ " الرؤيا " يواطئ كتاب الله تعالى لقوله تعالى : ﴿ وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ . قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ﴾ . نجزيهم بما نفديهم من الكفار والمنافقين ، وعليه كان من أوصافهم بالزبور بـ " مفديي الرب " . ﴿ أَفَمَن وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لاقِيهِ كَمَن مَّتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ ﴾ . ﴿ أَفَأَنتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَن كَانَ فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ . فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُم مُّنتَقِمُونَ . أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِم مُّقْتَدِرُونَ . فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ . وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ ﴾ . ﴿ وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُل لَّسْتُ عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ . لِّكُلِّ نَبَإٍ مُّسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴾ . ﴿ فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ . وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ . وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ . يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ ﴾.يخرج كل أحد من بيته حين تقع الصيحة باسمه " الحسين المبارك " ، سر الله تعالى الأكبر . ولو كان للعقلاء بصيرة هنا لكانوا أيقنوا بعدم سماع المصطفى جده صلوات ربي وسلامه عليهما للصيحة ، ووعد الله حق وصدق لا كذب فيه ، فالذي أُمِرَ بارتقاب الدخان هو الذي أُمِرَ باستماع الصيحة ، وهو الذي توعد الله تعالى قومه وأمرهم بانتظار الخسف ، وهو الذي وعد الله تعالى أن ييسر الذكر على لسانه ليبينه للناس ولا يكتمه كما كتمه أهل الكتاب : ﴿ إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ . يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَن مَّوْلًى شَيْئاً وَلا هُمْ يُنصَرُونَ . إِلا مَن رَّحِمَ اللَّهُ إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ..فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ . فَارْتَقِبْ إِنَّهُم مُّرْتَقِبُونَ ﴾ . ورجعنا هنا في خاتمة سورة الدخان كذلك للتيسير لعلهم يتذكرون ، ولإرتقاب الخسف إذا لم يتذكرو ، وأنى لهم الذكرى في ذلك وهم معرضون عن الرسول المبين الهادي المنذر بإذن ربه تعالى رحمة ، ولكل نبأ مستقر وسوف تعلمون ، قول الصدق الذي فيه يمترون : ﴿ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْكَافِرِينَ . وَالَّذِي جَاء بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ . لَهُم مَّا يَشَاءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاء الْمُحْسِنِينَ . لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ . أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ . وَمَن يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّضِلٍّ أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انتِقَامٍ ﴾ ، ﴿ يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنتَقِمُونَ . وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَاءهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ ﴾ .تمعنوا هنا متى يكون منتقم ؟! وكيف قرن ذكرهم مع ذكر قوم فرعون ، لكنه مع المعاصرين وصف رسولهم بالمبين ، ومع قوم فرعون وصفه بالكريم ، انظروا كيف قلب الله تعالى عليهم المعنى ، فجعل وعد ما خفى عليهم أمره " مبين " ، ومن كان أمره مبين حقا بالآيات التي أوتيها مجرد " رسول كريم " ، وبهذا يتضح لكم مدى ضلال وعمى قلوب المدركين المعرضين عن أمر الله تعالى لا باعتبار شخص المهدي ، بل باعتبار آيات الله وتصريفه لأمره الذي وعد تلك التي جابت العالم كله ، ما تكاد تذر أحدا إلا ومسه من ذلك ما مسه ، فسبحان الله الذي يهدي من يشاء ويضل من يشاء ، يؤتي نوره من يشاء ، ويعمي عنه من يشاء ، تبارك اسمه لا إله إلا هو سبحانه وتعالى عما يشركون ويكفرون . ﴿ أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِّنْهُمْ أَنْ أَنذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُواْ أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَـذَا لَسَاحِرٌ مُّبِينٌ . إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الأَمْرَ مَا مِن شَفِيعٍ إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ . إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً وَعْدَ اللّهِ حَقّاً إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ﴾ . ﴿ إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ . وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ ﴾ . ﴿ يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ . ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هَذَا الَّذِي كُنتُم بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ . إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ .آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ ﴾ . محسنين ومصدقين بالحسنى آخذين ومسلمين لهدى الله تعالى ومتبعين طائعين يوم أنكر كل الخلق ذلك وجحدوه وكذبوه ، ولهذا كان إيمان هؤلاء الأولياء عجبا كما بين ذلك المصطفى صلى الله عليه وسلم في خبره ، ليقينهم بوعد الله تعالى هذا ولو خفى على من خفى من الخلق وما أكثرهم ، وإلا من يصدق بأن النار هنا ما هي إلا نار " أبار البترول " التي أثيرت في فتنة صدام حسين وجيشه حين غزوا الكويت واسعروا تلك النيران بأبار بترولهم ، إنها هي تلك النار التي ذكرها تعالى بآيات سورة " الذاريات " وأن أمر المحسنين يكون عند تحقق تأويلها ، وارتباط أمر الله تعالى بتحقق أمرها ، وهي الفتنة التي كان يخبر رسولنا المصطفى صلى الله عليه وسلم عنها وانها ستكون من ناحية المشرق ، وأن عمد تلك النيران سيراها كل أهل الأرض وهذا مما لم يكن من قبل وما كان ليكون أبدا إلا بتلك التطورات التكنلوجية التي مكنت الخلق بواسطة النقل المباشر وغير المباشر من رؤية كل حدث بالعالم ومعرفة تفاصيله ، فكانت تلك النار وكانت تلك الفتنة ، وكان تحقق أمر المحسنين الذين أخذوا ما آتاهم ربهم بكل تسليم وبكل انقياد ، لا يرتدون ولا ينكرون مما أخبر تعالى شيئا أبدا .ليراجع هنا تفسير آيات سورة " الذاريات " : تفسير آيات من سورة الذاريات .. فالمهدي من له الذكرى ومعه أتباعه وفي قومه وجيله تحقق الذكر من القرآن وكتب الأنبياء وتلك الصحف الأولى ، ولن ينتفع من خير الله تعالى وحقه في ذلك كله إلا من رحم ربنا وهدى ، وأولئك من لهم قدم الصدق عند ربهم كما كان لبني إسرائيل بعد فرعون مصر وبعد التيه الذي عاشوا ، فكان لهذه الأمة وعد قدم الصدق بعد تيهها الطويل ، واليوم أتاهم ما يوعدون ، ولن يسعد معهم ويسلم وينال الفوز العظيم إلا من صدق بالحسنى معه فأولئك الذين دون غيرهم سينتفعون بهذا الخير والنصر والتمكين وتوريث الأرض وهزيمة الكفار الأعداء وإحلال الخزي على الذين يتولونهم من المنافقين ، والظالمين لهم عذاب مقيم عظيم ، قضاء الله تعالى وقدره . ﴿ إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ . يَوْمَ لا يَنفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ . وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْهُدَى وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ . هُدًى وَذِكْرَى لأُولِي الأَلْبَابِ . فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ. إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِن فِي صُدُورِهِمْ إِلا كِبْرٌ مَّا هُم بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ . لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ . وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلا الْمُسِيءُ قَلِيلاً مَّا تَتَذَكَّرُونَ ﴾ . ﴿ فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِّمَّا يَعْبُدُ هَـؤُلاء مَا يَعْبُدُونَ إِلاَّ كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُم مِّن قَبْلُ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنقُوصٍ . وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ . وَإِنَّ كُـلاًّ لَّمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ . فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلاَ تَطْغَوْاْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ . وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللّهِ مِنْ أَوْلِيَاء ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ . وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّـيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ. وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ﴾ . ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ . مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاء فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلامٍ لِّلْعَبِيدِ ﴾ .أنظروا عاد الذكر للمحسنين ولكتاب موسى الذي قال تعالى عنه : ﴿ مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ . أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ . أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إَمَاماً وَرَحْمَةً أُوْلَـئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِّنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ . يتوعد هنا من يكذب به ويذم من كان منه على ريبة ، وأن أعمالهم الدنيوية ستوفى لهم من غير بخس بل استيفاء كامل لما يستحقونه من غير نقص لحقهم ، وفي هذا معنى الوعيد الشديد والنذارة العظيمة التي ظاهرها التهكم بتمام الوفاء حين يتمنون لو يبخسوا وينقص حكمه عليهم على التمام ! ووصفهم بالأحزاب ، ولا أكثر من أحزاب اليوم ولا تلك الرايات البهيجة والدول العديدة ، أمم اتحدت تحت رايت صهيون متجهين لحتفهم المحتوم وقدرهم المؤجل والموعد فيه الصيحة ﴿ أَمْ لَهُم مُّلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَلْيَرْتَقُوا فِي الأَسْبَابِ . جُندٌ مَّا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِّنَ الأَحْزَابِ ... وَمَا يَنظُرُ هَؤُلاء إِلا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ . وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ ﴾ . فهل ترونهم هنا كيف يستعجلون العذاب كما أخبر المولى عز وجل في غير ما آية من الكتاب ـ وتفسير ذلك : أي عجل لنا ما وعدتنا بكتابنا ، فكان به لهم عذاب مبين ـ ، وكيف أن الله تعالى العليم الخبير والمحيط بكل شيء جعل لهم علامة لا تخفى صعودهم للسماء وها هي تقع والناس يرون ، لكن من عمي قلبه وطمست عيونه عن آيات الكتاب وتأويلها في هؤلاء الأخباث ، لن يرَ ذلك إلا بعين شيطان جاحد لبينات كتب الله تعالى متمرد على الحق الذي قدر وقضى ، فسبحان الذي ، يهدي ويضل . ﴿ وَلا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِّنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ ﴾ . ﴿ وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ . وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ . وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَلا تَكُن فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَائِهِ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ ﴾ .لا تكن في مرية من لقاء مواعيده ، سواء أنت يا محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ لما أقبضك لي ثم أردك عليهم لأبين لهم وجه كفرهم وجحدهم رسالتك ونبوتك وقدرك وعظيم مكانتك عندي ، أو أنت يا حفيده المهدي الموطئ لطريقه والممهد لعظيم سلطانه ، لا تكن في ريب مما وعدتهم وفصلت في خبرهم . وهذا نصيبهم ولن تكون " دار السلام " و "قدم الصدق " المدينة المنورة إلا لهؤلاء المرحومين الذين لم يكونو يريدون علوا في الأرض ولا استكبارا ، وحين يتحقق تأويل الذكر سينالها من الله تعالى الصديقون والشهداء أولئك الذين سأل المصطفى محمد صلى الله عليه وسلم حين قبضه مرافقتهم مع النبيين ، لا كما زعمت اليهودية العالمية والصهيونية الكاذبة الفاجرة ومن لف لفيفهم أن الخير والتمكين لهم ، وهم ساعون لذلك بكل جدهم وجهدهم ، يؤسسون لتحقيق نسبة ذلك لهم دون المؤمنين ، مؤسساتهم اليوم العالمية الدولية وتصف ألسنتهم الكذب أن لهم " الحسنى " ، استعجالا بتأويل الذكر لهم وهو عليهم ﴿عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ ﴾ . يشايعهم في ذلك منافقوا الأمة وكفرة الشعوب الكثيرة ، وسيغلبهم الله تعالى ولو كثروا ولو كانت قوتهم غير مسبوقة وسيخزي الظالمين أشياعهم ويحيق بهم المكر السيء الذي لن يحيق إلا بأصحابه وهم هؤلاء ، ولن يغني يهود وصليبية ما يعتقدون من الباطل ، والحق ليس فيهم بل في غيرهم من عباد الله تعالى أتباع محمد صلى الله عليه وسلم بالحق ، الذين آمنوا بالذكر وصدقوا المرسلين ، وهم الشهداء سيكونون على الناس كما أخبر المولى عز وجل بكتابه القرآن وفي كتبه من قبل على ألسنة أنبياءه ورسله ، ومن ذلك قوله : ﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاء عِندَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ ﴾ .ثم قال بعد ذلك مباشرة بذم الدنيا وبين أنها متاع الغرور ودار لهو وزهو وتكاثر ، وأنها حين تهيج ستصفر وتذوي فتهلك ويهلك أهلها الذين اغتروا بها : ﴿ اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلا مَتَاعُ الْغُرُورِ . سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاء وَالأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ . مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنفُسِكُمْ إِلا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ . لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ . الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ﴾ . وفي سورة " الأعلى " قال : ﴿ وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى ﴾ . ثم قال : ﴿ بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا . وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى .إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الأُولَى . صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى ﴾ ، أي مفصل ذكر كل ذلك في كل تلك الصحف ، قدرناه وسنهدي له ! . ﴿ إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ﴾ولمراجعة التحقيق في أمر هؤلاء الشهداء ومعهم ذكر الرسل ، قف على هذا التفصيل : تفسير آيات من سورة الذاريات .. تعقيب رقم (2) وفي الآيات قبلها هنا يعزي الكريم الرحيم عباده بما سيصيبهم من مصائب ومن نوائب الدهر على أيدي الكفار والمنافقين آخر الزمان ، ويعلمهم أن ذلك كله من المكتوب في أسفار الأنبياء وكتب المرسلين ، وأن عليهم الصبر وترك التحسر على ما فات وعدم الفرح الشديد بما سيؤتيهم فيها ، فهي دار غرور ووقت امتحان ، وأن لا يرجو إلا رضاه ومغفرته ورحمته وجنته التي أعدها لعباده المرحومين الذين آمنوا به وبما أرسل به رسله ، وأن يقبلوا دعوته دعوة الحق دعوة المهدي عليه الصلاة والسلام ، وأن يصدقوها فهي " الحسنى " وأن بها الفضل العظيم الذي يؤتيه من يشاء ، وأن عليهم تصديق مواعيده وتصريف آياته البينات ، وما برأ بكتابه وهان عليه تحقيقه وتصديقه : ﴿ وَمَا أَمْرُنَا إِلا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ . وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ . وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ . وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ . إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ . فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ ﴾ .فهل تدلونا على من علم وقال بالمعية هنا ما وجهها ؟! إنها معية الله بذاته لا علمه فقط ، حين يحل بها العلية المقدسة على جبل " أحد " ، كما حل على جبل " سيناء " ولهذا أقسم ربنا بأحد وبما سطر من هذا الذكر . أحد حبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم ، قال تعالى فيه : ﴿ وَالطُّورِ . وَكِتَابٍ مَّسْطُورٍ ﴾ . هذا أحد يحبنا ونحبه ، نقدسه ونجله وبه أقسم ربنا لمكانته العلية عنده ولعظيم ما سيكون من حدث ، حين يحل عليه ربنا بذاته المقدسة .راجع هنا في مسألة تكليم الله تعالى المهدي عليه الصلاة والسلام : هل سيكلم الله تعالى المهدي مثل ما كلم موسى عليهما الصلاة والسلام ؟ ( تعقيب رقم 4) |
|
#4
|
||||
|
||||
|
الفصـــــــــل الثالث
الفصــــــــــــــــل الثالث من تفاصيل أخبار الدنيا المؤثرة ، وذكر أهلها الكفرة أما من أنزل ذلك الذكر على كفار قريش الذين ثبت يقينا أنه لم يحصل عليهم ما أخبر المولى عز وجل هنا ، بل العكس فالذي ثبت أن تُمِمَ عليهم فتح الخير وتحرير الخلاص ، فدخلوا في دين الله تعالى أفواجا ، وتمت عليهم وبهم نعمة الله تعالى وفضله ، فصاروا أسياد الناس وقادتهم ، ووطأهم المولى عز وجل رقاب الخلق وأراضيهم ، وكثرت خيراتهم وأعطياتهم ، وازدهرت دنياهم من بعد فقرهم ، واخضرت من بعد ما اصفرت ، واتسعت مرابعهم وثمارهم ودوابهم وأموالهم ، فهل يستوون وهؤلاء الملعونين الذين وعدوا حقا بالهلاك والختم وعدم الإيمان وقد حل بهم كتاب الله تعالى ومواعيده ، فحلت بهم الضراء وتعسوا ، وهاجت بهم الجند فأبلسوا ، وما هو آت أشد وأبأس ، وحقا لا يستوي الأعمى والبصير ولا الأموات والأحياء ، ومن لم يجعل الله تعالى له نورا فما له من هاد . آيات كثيرة أتى الرحمان فيها على ذكر أخبار هذه الدنيا وأهلها وعلاماتها ، ولكم نبهت على أن حمل ذلك على زمان كفار قريش تخرص وباطل من القول لعدت موانع ، بانت من دلالة ما أخبر الله تعالى عنهم في لفظ تلك الآيات نفسها وفيها ما سيكون فجاء تحقق واقعهم في ذلك بالمطابقة التامة مع ما اخبر الله تعالى عن ذلك وبين انه كائن فيهم حين تحقق تأويل ذكر الكتاب فيهم . من مثل وعيده حسب ما بينت قبل بتدمير متاع تلك الدنيا المؤثرة وقطع دابر أهلها ، فأي دنيا مؤثرة بمتاعها مزخرفة مزينة لم يأت عليها ربنا بالتدمير والتحطيم ليست هيا إذا الموعودة المرتقبة ، هذا يقين وشرط لمعرفة وتيقن تحقق الذكر فيها ، كما نص على ذلك ربنا في سورة " الأعلى " بقوله : ﴿ بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا . وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى ﴾ . ﴿ أَفَمَن وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لاقِيهِ كَمَن مَّتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ ﴾ .كذلك هنا ما لم يكن أهل تلك الدنيا المؤثرة ممن أدرك المهدي وتحقق ذكره ، فاعلموا يقينا أنها ليست المرتقبة المنتظر نزول العذاب عليها وعلى أهلها : ﴿ إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ حَتَّىَ إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ . وَاللّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلاَمِ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴾. ﴿ اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلا مَتَاعُ الْغُرُورِ . سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاء وَالأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ . مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنفُسِكُمْ إِلا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ . لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ . الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ﴾. وفي هذا منه تأكيد عز وجل على أن وعيده حق في هذه الدنيا المؤثرة وأهلها الأشرار ، بأن يحطمها ويحطمهم معها ، ويجعل نعيمها المسلوب عليهم حسرة وندامة وقهرا ومشأمة للأبد ، ذلك بأنهم كفروا آياته وجحدوا ملته وسبوا أنبياءه ورسله وكتبه ودينه ، بل سبوه بذاته سبحانه مثل ما هو بين ظاهر في زماننا الذي به بلغ الحد ووقع القضاء ، وتحققت المصائب في الأرض والأنفس ، وأن كل ذلك كان بالكتاب صحف " إبراهيم وموسى " ، حتى ما يأسى أحد ولا يفرح أحد حين تكثر دنيا المختالين الفخورين ، لأنه حين ذاك سينزل الله تعالى نقمته عليهم ويزيل نعمته عنهم ، البخلاء أهل السوء المتولين عن طاعة الله تعالى وتصديق ذكره وآياته البينات . ﴿ وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ أَن تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللّهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لاَّ يُؤْخَذْ مِنْهَا أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُواْ بِمَا كَسَبُواْ لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ ﴾ .فلا مزيد هنا بعد جمع قوله تعالى كما في سورة " الأنعام " ﴿ وَذَكِّرْ بِهِ أَن تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ ﴾ ، مع قوله تعالى في سورة " الأعلى " ﴿ فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى ﴾ ثم تراجع متى وقت هذا " الإبسال " كما في هذا الملف : قال تعالى : ( وذكر به أن تبسل نفس بما كسبت ليس لها من دون الله من ولي ولا شفيع ) . ﴿ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ اتَّقَواْ فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ . وهنا يرى المؤمن العاقل كما نص الرب تعالى جلي بأن تزيين الدنيا إنما محله ووقته آخر الزمان لا قبل ذلك بتاتا ، وكم هو جاهل وأحمق من يعطل الوعيد هنا لما بعد هذا التزيين ويؤخر ظهور المتقين على الكافرين لما بعد ذلك ويفترض بالمنعمين المترفين الجاحدين البقاء بالنعمة ، أي حين يهلك الناس كلهم ويبعثون من قبورهم ثم هناك فقط تكون الفوقية !!وهذا تخرص ظالم ، وقسمة جائرة يفترضها الناقص بخلاف الكامل العدل البرّ الرحيم ، وإلا أين تذهب مواعيد الله تعالى كلها بأن ينصر دينه ويظهر ملته وعباده ويعلي امرهم على كل الأديان والكفار ؟! . ﴿ وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى . وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقاً نَّحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى . وَقَالُوا لَوْلا يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِّن رَّبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِم بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الأُولَى . وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُم بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ وَنَخْزَى . قُلْ كُلٌّ مُّتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَى ﴾. وهنا يربط ما بين ذكره للصحف وقوله بسورة " الأعلى " ﴿ إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الأُولَى . صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى ﴾ ليتأكد للمطلع أن محل ذلك كله الآخرة ما قبل أن يبعث رسوله المهدي عليه الصلاة والسلام ، لهذا أمرهم بالتربص ، والتربص إن كان أمرا للنبي صلى الله عليه وسلم ، فهو يقينا موجه لحفيده المهدي كذلك وبأدنى تدبر للكتاب يدرك هذا بيقين ، من مثل قوله عز وجل : ﴿فَذَكِّرْ فَمَا أَنتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ . أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ . قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُتَرَبِّصِينَ ...أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بَل لا يُوقِنُونَ . أَمْ عِندَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ . أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُم بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ ... أَمْ يُرِيدُونَ كَيْداً فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ ... فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ . يَوْمَ لا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً وَلا هُمْ يُنصَرُونَ . وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَاباً دُونَ ذَلِكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ . وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ ﴾. " سورة الطور 29ـ 48 " فهنا نلاحظ مع ذكر التربص ورد ذكر السلم للسماء والتطلع إليها والمطالبة حين تحقق ذلك بالمجيء بالسلطان المبين ، وحين أرجع بكم إلي سورة الحج ، ونقف منها على تلك الآيات محل تعليقي وتفسيري المنشور قريبا تحت هذا العنوان:تفسير آيات من سورة آل عمران .. (أين الأنصار هذا ذكركم) . نجد هناك قوله تعالى : ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ . وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَن فِي الْقُبُورِ . وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدًى وَلا كِتَابٍ مُّنِيرٍ . ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ . ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلامٍ لِّلْعَبِيدِ ...إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ . مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاء ثُمَّ لِيَقْطَعْ فَلْيَنظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ ﴾. " سورة الحج 6ـ 15 " فعاد كل ذلك ، من تربص وتحقق نصر وصعق وفصل وبلوغ السماء وبذل الأسباب إليها ، بما يفتح الله عليهم من علم ووسائل وزهرة الحياة الدنيا ، وهذا مما لم يكن لأحد دون معاصري المهدي عليه الصلاة والسلام ، وذلك فيهم من أظهر العلامات على تحقق زمانه حتى إن الله عز وجل يوجه الخطاب له ولهم في ذلك بأظهر البينات وأصدق الآيات ، ما يثبت ادراك هذا الجيل لتحقق تأويل الكتاب وتحقق آياته المنتظرة وأنه هو الجيل الملعون المختوم عليه بالكفر ونزول نقمة العذاب من الله تعالى ، لتوليهم عن الإيمان به وكتبه ورسله ومواعيده ، وعدم تيقن أمر الآخرة . يراجع هذا الموضوع : قُلْ كَفَى بِاللّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ . تعقيب رقم (9) والذي قبله وبعده . كذلك نلاحظ في كتاب الله تعالى لمشابهة حال المهدي وجيله ، بحال نبيه نوح عليه الصلاة والسلام مع جيله ، بأنه نص هناك مع نوح وجيله ، كما نص مع المهدي وجيله ، على التربص وأنهما بعين الله تعالى أثناء دعوتهما وتحقق مصيرهما ومن كذبهما وصدقهما ، فقال عز وجل مخبر عن ذلك مع نوح : ﴿ إِنْ هُوَ إِلا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ . قَالَ رَبِّ انصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ . فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَاء أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ ﴾ . ﴿ وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ ﴾ .وحين بعث المبشرين بأمر المهدي لجزيرة العرب قيل لهم : " ما أشبهكم بنوح ومن معه " !! . وعليه نجد النبي صلى الله عليه وسلم شبه أمر أهل بيته بسفينة نوح ، روى في ذلك عنه ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال : " إنا أهل بيت اختار الله لنا الآخرة على الدنيا " . " رواه أبو بكر بن ابي شيبة " |
|
#5
|
||||
|
||||
|
الفصــــــــــــــــــل الرابع
الفصــــــــــــــــــل الرابع من ضرب الأمثال للمهدي ومعاصريه الكفرة بالقرآن ﴿ وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لاَ يَقْدِرُ عَلَىَ شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ لاَ يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ . وَلِلّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ . فهل رأيتم معاصــره ملكا على الجزيــــرة العربية إلا وهو أبكم وكل على قومه ؟ ولقد وصفهم المصطفى صلوات ربي وسلامه عليه يواطئ القرآن في ذلك بـ " البكم الصم العمي " ، وأنهم سيتطاولون بالبنيان ، وذلك من البينــات والهدى وتحقق التأويل ، فما لكم عن الحق معرضون ؟! راجع في خبر هذا الأبكم الكل ما ورد تحت هذا العنوان : من أخبر عن عبدالله الطرطور أنه أبكم قبل ما نقول نحن ذلك؟! وقال أيضا في ضرب الأمثال للمهدي عليه الصلاة والسلام ، ومن يعاصره من الكفار ، ما يلي : ﴿ أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ .راجع في تفسير معنى النور هنا والمشي به بين الناس تحت الرابط التالي : الإنترنت لسان الجيل وبه إبلاغهم رسالة المهدي واعلموا بأن الظلمات هنا في الآية " حسية " وليست معنوية وهو ما عليه إجماع الأمة الكاذب ، وقد تم خرق إجماعهم هذا ولله الحمد والمنة بما حقق عز وجل من تأويل الذكر ، فما الذي سينفع أقوال التخرص بعد هذا التأويل للذكر سواء القائلون ذلك القدماء أو المعاصرون ؟! إنها ظلماتهم التي يعيشون الآن وما هم بخارجين منها ، فأين ما يتوجهون لن يلقوا إلا الظلمة . وعن أي حياة يبحثون ؟! ، وهم بلا حياة بقلوب ميتة عن ذكر الله تعالى وتصديق الحسنى . وفي استشراف معنى الظلمات التي ليسوا بخارجين منها ، راجع هذا الموضوع : قُلْ كَفَى بِاللّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ . التعقيب رقم (8) ورقم (9) ورقم (11) ﴿ وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللّهِ فَأَذَاقَهَا اللّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ . وَلَقَدْ جَاءهُمْ رَسُولٌ مِّنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ ﴾ .﴿ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى . الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى . وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى . وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى . فَجَعَلَهُ غُثَاء أَحْوَى . سَنُقْرِؤُكَ فَلا تَنسَى . إِلا مَا شَاء اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى . وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى . فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى . سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَى . وَيَتَجَنَّبُهَا الأَشْقَى . الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى . ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَى . قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى . وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى . بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا . وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى . إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الأُولَى . صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى ﴾ والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات . |
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
| أدوات الموضوع | |
| طرق مشاهدة الموضوع | |
|
|