ما أكثر النبوءات في تعذيب الله تعالى آخر الأيام لهؤلاء الكفرة بالنار ما أكثرها ، وها نحن نرى ذلك ولا عقل لهم يدرك ما تعنيه تلك النيران أو بالحري أن خاصتهم علموا ما تعنيه تلك النيران لكنهم يجحدون ..
" يأتيه الهلاك وهو لا يشعر " ." داود في الزبور "
" تظفرُ يدك بجميع أعدآئك يمينك تظفر بمبغضيك ، تجعلهم كتنور نارٍ حين يتجلى وَجْهُكَ ، الرب بغضبه يُغْـرِقُهُمْ فتأكلهُمُ النَّارُ ، تهلك ثمرهم من الأرض وذريتهم من بين بني البشر . إذا نصبوا عليك شرا ودبروا مكيدة لم يستطيعوا شيئا ، لأنك تردهم على قفيهم ، تسدد أوتارك إلى وجوههم . إرتفع يا رب بعزتك نرنم ونشيد لجبروتك " . " الزبور "
" النار تنطلق أمامه وتحرق من حولها أضداده " . " الزبور "
" قدامه نار تأكل وحوله عاصفة شديدة " . " الزبور "
هذه الأخيرات كلها من الزبور فقط وعند غيره من الأنبياء الكثير في ذلك غير ما ذكر ، لتوقنوا أن في هؤلاء وبما يجري لهم اليوم قد أنزل الله تعالى ذكرا عظيما أبديا به خلاص ورحمة وأُنس للمؤمنين ، بقدره وأمره وتدبيره وأفكاره التي ثبتها بحق هؤلاء الكفرة الذين حلت اليوم عليهم لعنة الله العظيم المتعال ، وكان ذلك كله يذكر وللأبد سيذكر ، على أنه من معجزات الله تعالى ، وقد كان الجهلة وعميان القلوب لم يستوعبو من قبل لم أصحاب هذه الدعوة يفرحون ويستبشرون بتلك العذابات على الكفرة والعصاة ، والسبب هو ما قررته هنا ..
ومن قوله تعالى في زبور داود عليه الصلاة والسلام :
" الله معتصمٌ لنا وعزةٌ وقد وجدناهُ نُصرة عظيمة في المضايق ، لذلك لا نخشى إذا انقلبت الأرضُ وتزعزعت الجبال في قلب البحار ، فلتعج مياهُها وتجش ولترجُفِ الجبالُ بطموها ، مجاري النهرِ تُفرحُ مدينة اللهِ قدس مساكن العلي ، الله في داخلها فلن نتزعزع ينصرها الله عند انبثاق الصبح .
قد عجت الأممُ وزعزعت الممالكُ فقرع هُوَ بصوته فانحلت الأرض رب الجنود معنا ، هلموا فانظروا أعمال الرب الذي أتى بعجائب في الأرض . أزال الحروب إلى أقاصي الأرض كسر القوس وقطع السيف وأحرق العجلات بالنار . كفوا فاعلموا أني أنا الله أعلو في الأمم أعلو في الأرض "
وقال هناك :
" ليعج البحرُ وملؤهُ والمسكونة وسكانها ، لتصفق الأنهار ولترنم الجبال جميعا ، أمام الرب فإنه قد أقبل ليدين الأرض يدين المسكونة بالعدل والشعوب بالاستقامة "
" رفعت الأنهارُ يا ربُّ رفعتِ الأنهار صوتها رفعتِ الأنهارُ عجيجها ، ما أعظم صوتَ المياه الغزيرة طُغيان أمواج البحر بل ما أعظم الرب في العلى ، شهاداتك صادقة جدا "
وقال سليمان نبي الله تعالى صلى الله عليه وسلم :
" عاقبة الجيل الأثيم هائلة "
وفصل في ذلك فقال عليه الصلاة والسلام :
" رجاء المنافق كغبار تذهب به الريح وكزبدٍ رقيق تُطارده الزوبعة وكدُخان تُبدده الريح وكذكر ضيف نزل يوما ثم ارتحل .
أما الصديقون فسيحيون إلى الأبد وعند الرب ثوابهم ولهم عنايةٌ من لدُن العلي ، فلذلك سينالون مُلك الكرامة وتاج الجمال من يد الرب لأنه يستُرُهُمْ بيمينه وبذراعه يقيهم ، يتسلح بغيرته ويُسلح الخلق للإنتقام من الأعداء ، يلبس البِرَّ درعا وحكم الحق خوذة ، ويتخذ القداسة تُرسا لا يُقهر ، ويحدد غضبه سيفا ماضيا والعالم يُحارب معه الجهال ، فتنطلق صواعق البروق انطلاقا لا يُخطئُ وعن قوس الغيوم المحكمة التوتير تطيرُ إلى الهدف ، وسخطه يرجمهم ببردٍ ضخم ومياه البحر تستشيط عليهم والأنهار تلتقي بطُغيان شديد ، وتثور عليهم ريحٌ شديدة زوبعةٌ تُذريهم والإثم يُدمر جميع الأرض والفجور يقلب عُرُوش المقتدرين "
إذا نفهم من هذا أن الغضب اليوم على العالم الشرير الملعون من خلال هيجان البحار والأنهار إنما هو تحقيقا لشهادات الله تعالى التي نبأ عنها أنبياءه ورسله من قبل أن يكون تأويلُها بقرون طويلة ، لكن الأهم هنا من سيرعى تلك الشهادات ويقوم بحق البلاغ عنها ؟
الجواب هو المهدي عليه الصلاة والسلام وهو عين ما قام به من خلال كتبه ومن خلال مقالاته في هذا المنبر المبارك ، وقال عن ذلك تعالى في زبور داود عليه الصلاة والسلام بإطناب :
" طوبى للأزكياء في الطريق للسائرين في شريعة الرب ، طوبى للذين يرعون شهاداته ويلتمسونهُ بكل قلوبهم ، ولا يعملون الإثم بل في طُرقه يسيرون ..
بطريق شهاداتك سُررت كالحاصل على كُل ثروة ، إني في أوامرك أتأمل وأنظرُ في سُبُلك ، برسومك أتنعم لا أنسى كلمتك . كافئ عبدك فأحيا وأحفظ كلمتك ، اكشف عن عيني فأبصر مُعجزات من شريعتك ، أنا في الأرض غريبٌ فلا تواري عني وصاياك ، اشتاقت نفسي إلى الرغبة في أحكامك كُل حين ..
إكشف عني العار والخزي فإني رعيتُ شهاداتك .. جلس الرؤساء وتقاولوا علي أما عبدك فكان يتأمل في رسومك ، لأن شهاداتك هي نعيمي وأصحاب مشورتي "
" أنت أخذت بيدي اليمنى بمشورتك تهديني ومن بعد إلى المجد تأخذني "
" الرب حافظ لك الربُّ ظلٌّ لك عن يدك اليُمْنَى !!
فلا تؤذيك الشمس في النهار ولا القمر في الليل ، يحفظك الرب من كل سوء هو يحفظ نفسك ، الرب يحفظ دخولك وخروجك من الآن وإلى الأبد "
يبقى لكم فقط تتذكورا هنا من أين سيكون مبعث رجل مشورته هذا ؟!
يصرح لكم بذلك النبي اشعيا عليه الصلاة والسلام ، فيقول :
" داع من المشرق الكاسر من أرض بعيدة رجل مشورتي ، قد تكلمت فأجريه ، قضيت فأفعله "
فانظروا من بعث من المشرق وقال بكل ذلك ورعاه حق رعايته ، وتيقنوا لن تجدوا غير اللحيدي وبفي المكذبين التراب وأنوفهم للأرض بكل ذلة بكل صغار .
وهكذا بان أن مسؤولية رجل مشورته رعاية شهادات الله تعالى وهي نبوءاته عن الغضب وعن تحقق الخير للمؤمنين آخر الزمان ، حين تثور الأنواء وتهيج الأنهار وتتلاطم أمواج البحار بغضب كما هو حاصل اليوم نتيجة بعثه المرسلات على عالم الأشرار بما هو معلوم لكل مطلع على ما يسطر في هذا المنبر المبارك ، والواقع قائم بشهادته على صدق ما أخبر تعالى في ذلك .
فيجب تيقن هذا لمن قبل قلبه هدى الله تعالى وذكره ، يجب الإيمان به والعالَمُ كله يراه ولا يجحده إلا من كفر .
راجع التعقيب التالي :
وقفة حاسمة مع منكري دلالة الزلازل وتواترها على تحقق بعث المهدي عليه الصلاة والسلام
﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُم بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ . سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ . أَلا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَاء رَبِّهِمْ أَلا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطٌ ﴾
﴿ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً ﴾
﴿ قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيداً يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ﴾
﴿ وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً ثُمَّ لاَ يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ . وَإِذَا رَأى الَّذِينَ ظَلَمُواْ الْعَذَابَ فَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ ...
وَأَلْقَوْاْ إِلَى اللّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ . الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ اللّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَاباً فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُواْ يُفْسِدُونَ . وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِم مِّنْ أَنفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيداً عَلَى هَـؤُلاء وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ ﴾
﴿ وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَسْتَ مُرْسَلاً قُلْ كَفَى بِاللّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ ﴾
" شهاداتك عجيبةٌ لذلك رعتها نفسي ، شرحُ كلامك مُنيرٌ يُفَقِهُ الصُّغَــرَآء ، فتحت فمي وتنفستُ لأني تشوقتُ إلى وصاياك ، إلتفت إليَّ وارحمني بحسب تدبيرك مع الذين يُحبون اسمك ، ثبت خطواتي في أقوالك ولا تُسلط عليَّ من الإثم شيئا " . " الزبور "
واقرأوا في ذكر من آمن به ، ومن لم يتبعه ليكونن من الخاسرين :
" أعترف للرب بكل قلبي في مجلس المستقيمين وفي الجماعة . أعمال الرب عظيمة مدبرةٌ طبقا لكل مراده بها .صُنعهُ ذُو جلال وبهاء وعدله دائم إلى الأبد . جعل لمعجزاته ذكرا ، الرب رؤوف رحيم . أعطى الذين يتقونه غذاء ، ذكرَ إلى الأبد ميثاقه . أبدى لشعبه قوة أعماله ، إذ أعطاهم ميراث الأمم ، أعمال يديه حق وحُكْمٌ . أوامره كلها أمينة ثابتة مدى الدهر وإلى الأبد ، مقضية بالحق والإستقامة .
أرسل الفداء لشعبه أوصى إلى الأبد بميثاقه اسمه قدوس مرهوب " . " الزبور "
" طوبى للرجل الذي جعل الرب متوكله ولم يمل إلى المختالين والمنعطفين إلى الكذب . ما أكثر ما صنعت لنا أيها الرب إلهي من معجزاتك وأفكارك إنه لا شيء يعادلك ، فإن أخبرت وتحدثت بها فهي أعظم من أن تحصى .
ذبيحة وتقدمة لم تشأ لكنك ثقبت أذني ولم تطلب المحرقات ولا ذبائح الخطيئة ، حينئذ قلتُ هآءَنذا آتٍ فقد كتب عني في درج الكتاب ، لأعمل بمشيئتك ، إني في هذا راغبٌ وشريعتك في صميم أحشائي .
قد بشرت ببرك في الجماعة العظيمة ولم أحبس شفتي وأنت ياربُّ علمت . لم أكتم برك في قلبي بل تحدثت بأمانتك وخلاصك ولم أُخفِ رحمتك وحقك عن الجماعة العظيمة ، وأنت يارب لا تغلق عني أحشاءك بل لتحفظني رحمتك وحقك في كل حين ، فقد أحاطت بي شرور لا عدد لها وأدركتني آثامي فلم أستطع أن أبصر وقد ازدادت فوق شعر رأسي وقلبي قد تركني ، ارتض يا رب أن تنقذني أسرع يا رب إلى نصرتي .
ليخز طالبو نفسي ليهلكوها ويخجلوا وليرتد إلى الوراء الراغبون في مساءتي ويفتضحوا . ليسر بك جميع الذين يلتمسونك ويفرحوا وليقُل في كل حين محبو خلاصك تعظم الرب . وأنا بائسٌ ومسكين السيد يهتم بي ، أنت نصرتي ومخلصي يا إلهي فلا تبطئْ " . " الزبور "
في مقال لي أفردته تحت هذا العنوان " أتى أمر الله تعالى فلا يستعجله إلا الكافرون ... " جليت فيه عن حكمة الله تعالى بعدم استعجال أمره وتحقق كلمة فصله في هؤلاء الكفرة الملعونين .
وهنا أزيد في بيان ذلك بما عرف سليمان الحكيم نبي الله تعالى صلى الله عليه وسلم ، أن من رحمة الله تعالى حين يعذب الخطاة المجرمين على رسله فلا يستعجل لهم أنه من رحمته يفعل ذلك ويعد ذلك من آياته ومعجزاته فيهم التي يجب تيقنها من المؤمنين المدركين لأمره في معاصرينا هؤلاء من الخطاة المجرمين ، وأنه وإن عذبهم اليوم وأنزل بهم جبروته وبسط بينهم قدرته أنه يفعل ذلك حين يفعله بأناة لعلهم يعون ويتوبون له قبل ما يبسلهم ويقطع دابرهم بالمرة ، فقال نبي الله تعالى سليمان في هذا الخصوص ما يلي :
" على أنك أشفقت على أولئك أيضا لأنهم بشرٌ فبعثت بالزنابير تتقدم عسكرك وتبيدهم شيئا بعد شيء ، لا لأنك عجزت عن إخضاع المنافقين للصديقين بالقتال أو تدميرهم بمرةٍ بالوحوش الضارية أو بأمر جازمٍ من عندك ، لكن بعقابهم شيئا فشيئا منحتهم مُهلة للتوبة وإن لم يخفَ عليك أن جيلهم شريرٌ وأن خبثهم غريزي وأفكارهم لا تتغير إلى الأبد ، لأنهم كانوا ذرية ملعونة مُنـذُ البدء ولم يكن عفوك عن خطاياهم خوفا من أحد ، فإنه من يقول ماذا صنعت أو يعترض على قضآءك ومن يشكوك بهلاك الأمم التي خلقتها أو يقف بين يديك مُخاصما عن أناس مُجرمين ، إذ ليس إله إلا أنت المعتني بالجميع حتى تُري أنك لا تقضي قضآء الظلم ، وليس لملك أو سلطان أن يُطالبك بالذين أهلكتهم ، وإذ أنت عادل تدبر الجميع بالعدل وتحسبُ القضاء على من لا يستوجبُ العقابَ منافيا لِقُدرتك ، لأن قوتك هي مبدأ عدلك وبما أنك رب الجميع فأنت تشفق على الجميع ، وإنما تبدي قوتك للذين لا يؤمنون أنك على كمال القُدرة وتُعاقِبُ العلماء على جسارتهم ، لكنك أيها السلطان القدير تحكم بالرفق وتدبرنا بإشفاق كثير لأن في يدك أن تعمل بقدرة متى شئت ، فعلمت شعبك بأعمالك هذه أن الصديق ينبغي أن يكون محبا للناس وجعلت له رجآءً حسنا لأنك تمنحهم في خطاياهم مهلة للتوبة .
لأنك إن كنت عاقبت أعدآء عبادك المستوجبين للموت بمثل هذا التحرُّزِِ والترفق وجعلت لهم زمانا ومكانا للإقلاع عن الشر ، فبأي اعتناء دبرت لعبادك الذين واثقت آباءَهم بالأقسام والعهود على مواعيدك الصالحة ، فتؤدبنا نحنُ وتجلد أعداءنا جلدا كثيرا لكي نتذكر حلمك إذا حكمنا وننتظر رحمتك إذا حكم علينا .
لأجل ذلك فالمنافقون الذين عاشوا بالسفه عذبتهم بأرجاسهم عينها ، فإنهم في ضلالهم تجاوزوا طرق الضلال إذ اتخذوا ما يستحقره أعداؤهم من الحيوان آلهةً مغترين كأطفال لا يفقهون ، لذلك بعثت عليهم عقاب أولاد لا عقل لها للسخرية ، ولما لم يتعظوا بتأديب السُّخرية ذاقوا العقاب اللائق بالله ، وفيما تحملوه بغيظهم وقد رأوا أن ما اتخذوه إلها كانوا به يعذبون عرفوا الإله الحق الذي كانوا يكفرون به ولذلك حلت بهم خاتمة العقاب .
إن جميع الذين لم يعرفوا الله هم حمقى من طبعهم لم يقدروا أن يعلموا الكائن من الخيرات المنظورة ولم يتأملوا المصنوعات حتى يعرفوا صانعها ، لكنهم حسبوا النار أو الريح أو الهواء اللطيف أو مدار النجوم أو لجة المياه أو نيري السماء آلهة تسود العالم ، فإن كانوا إنما اعتقدوا هذه آلهة لأنهم خلبوا بجمالها فليتعرفوا كم ربها أحسن منها إذ الذي خلقها هو مبدأ كل جمال .
أو لأنهم دهشوا من قوتها وفعلها فليتفهموا بها كم منشئُها أقوى منها ، فإنه بعظم جمال المبروءات يُبْصَرُ فاطِرُها على طريق المقايسة ، غير أن لهؤلاء وجها من العذر لعلهم ضلوا في طلبهم الله ورغبتهم في وجدانه ، إذ هم يبحثون عنه مترددين بين مصنوعاته فيغرهم منظرها لأن المنظورات ذاتُ جمال ، مع ذلك ليس لهم من مغفرة لأنهم إن كانوا قد بلغوا من العلم أن استطاعوا إدراك كُنه الدهر فكيف لم يكونوا أسرع إدراكا لرب الدهر ...
ولما اقتحم هؤلاء حنَقُ الوحوش الهائلُ وأهلكهم لدغ الحيات الخبيثة ، لم يستمر غضبُك إلى المنتهى بل إنما أقلقوا إلى حين إنذارا لهم ونُصبتْ لهم علاماتٌ للخلاص تُذكرهم وصية شريعتك ، فكان الملتفت إليها يخلصُ لا بذلك المنظور بل بك يا مُخلص الجميع ، وبذلك أثبت لأعدائنا أنك أنت المُنقِذُ من كل سوء ، لأن أولئك قتلهم لسع الجراد والذُّباب ولم يوجد لنفوسهم شفاء إذ هم أهلٌ لأن يعاقبوا بمثل ذلك ، أما عبادك فلم تقو عليهم أنياب التنانين السامة لأن رحمتك أقبلت وشفتهم ، وإنما نخسوا ليتذكروا أقوالك ثم خلصوا سريعا لئلاَّ يسقطوا في نسيان عميق فيحرموا إحسانك ، وما شفاهم نبتٌ ولا مرهم بل كلمتك يا رب التي تشفي الجميع ، لأن لك سلطان الحياة والموت فتحدر إلى أبواب الجحيم وتُصعد ..
إنه ليس أحد يستطيع أن يهرب من يدك ، فإنك قد جلدت بقوة ذراعك المنافقين الذين جحدوا معرفتك وأطلقت في إثرهم سيولا وبردا وأمطارا غريبة ونارىً آكلة ، وأغلب شيء أن النار كانت في الماء الذي يُطفيُْ كل شيء تزدادُ حدة لأن عناصر العالم تُقاتل عن الصديقين ، وكان اللهبُ تارةً يسكنُ لئلا يُحرق ما أرسل على المنافقين من الحيوان ولكي يبصروا فيعلموا أن قضاء الله على أعقابهم ، وتارة يخرجُ عن طبع النار فيتأجج في الماء لكي يستأصل أنبتة الأرض الأثيمة .
أما شعبك فبدلا من ذلك أطعمته وأرسلت لهم من السماء خبزا معدا لا تعب فيه يتضمن كل لذةٍ ويلائم كل ذوق لأن جوهرك أبدى عذوبتك لعبادك فكان يخدم شهوة المتناول ويتحول إلى ما شاء كل واحد ..
الخليقة الخادمة لك أنت صانعها تتشدد لتعاقب المجرمين وتتراخى لتُحسن إلى المتوكلين عليك ، لذلك كانت حينئذ تتحول إلى كل شيء لتخدُمَ نعمتك الغاذية الجميع على ما يشاء كل محتاج ، لكي يعلم عبادك الذين أحببتهم أيها الرب أن ليس ما تخرج الأرض من الثمار هو يغذو الإنسان لكن كلمتك هي التي تحفظُ المؤمنين بك ، إذ لم تكن النارُ تَحُلُّهُ كانت شُعاعةٌ يسيرةٌ من الشمس تُحميه فيذوب حتى يعلم أنه يجب أن نسبق الشمس إلى شكرك ونحضُرَ أمامك عند شروق النور ، لأن رجاء من لا شكر له يذوب كجليد شتوي ويذهب كماء لا منفعة فيه " .